|
مسلمو الصين
وحق الاختلاف
بقلم: أمير
طاهري
إن الحملة
الأخيرة التي شنتها السلطات الصينية ضد المواطنين المسلمين من تركستان (شين
جيانج)، هي استمرار لنمط من التعامل وضعه الشيوعيون عندما تسلموا السلطة
عام 1949م، لكن الحملة الجديدة تختلف عن سابقاتها في وجهين اثنين مهمين،
الأول، هو أن السلطات تعترف، للمرة الأولى، أن الإسلام حي يرزق ويمثل حقيقة
من حقائق الحياة في الصين، وحتى وقت قريب دأبت القيادة الشيوعية على وصفهم
بأنهم أناس (كانوا قد حملوا على الإسلام) وكان زعمهم هو أن المسلمين هجروا
دينهم لصالح الرؤية المادية للاشتراكية العلمية).
وكانوا يشتيرون
إلى المسلمين الذين يناضلون من أجل الحكم الذاتي أو الحرية الدينية على
أنهم عصابات وعملاء لجهات أجنبية ومروجين للقيم الإقطاعية، لكن السلطات
تخبرنا هذه المرة ببساطة ووضوح أن الحكم الصيني في تركستان يتعرض لتحديثات
يقوم بها اتباع االعقيدة الإسلامية.
ووجه الاختلاف
الثاني، هو أن الاضطرابات في تركستان الصينية تأتي في وقت يشهد تحولات
دراماتيكية غير فعلا خارطة آسيا، وهناك أوقات يقف التاريخ فيها، لكن
التاريخ في هذه الأيام يجري مسرعًا، في كل الاتجاهات، فيما يبدو وكان رد
بكين الفطري على الاضطرابات في المناطق التي يغلب عليها الإسلام، هو إرسال
القوات المسلحة إليها.
وحاول الجيش
الصيني أن يستعرض قوته بأن يسير دباباته في شوارع كاشغر أو أورومتشي، وحركة
كهذه على لوحة شطرنج غير مستقرة ولا واضحة، تشبه ما صنعه ميخائيل جورباتشوف
-هل تذكرون جورباتشوف-؟ عندما أرسل دباباته إلى ألما آتا ومن ثم إلى باكو؛
ليرهب السكان المدنيين ويحملهم على الصمت، وكان لاستعراض القوة الذي قرره
جورباتشوف مئات الضحايا من القتلى، لكن ذلك التحرك أكد إصرار قازاقستان
وأذربيجان على هجرة (روسيا) والاستقلال عنها.
ولو قررت الصين
أن تحرك الأحداث باتجاه حمامات الدماء في تركستان، فعليها أن تتوقع نتائج
مشابهة، لكن الوضع في الصين يختلف عما ساد في الاتحاد السوفياتي في آخر
أعوامه، فقد ظل الاتحاد السوفياتي دولة مركزية حتى الرمق الأخير.
وحتى في أثناء
الانقلاب الهزلي في موسكو في أغسطس (آب) الماضي، كانت المسألة المركزية
لطرفي النزاع السياسي هي تحرير الزعيم -جورباتشوف- الذي يمثل سلطة الدولة
المركزية، وعندما أخفق الانقلاب وعاد جورباتشوف إلى الكرملين، اضطرت البلاد
إلى الانتظار أربعة أشهر قبل أن تدرك أن الاتحاد السوفياتي قد مات منذ زمن.
أما في الصين،
فقد توزعت السلطة وتخلت عن مركزيتها إلى حد يزيد كثيرا عما يستعد البعض
لللاعتراف به، والسبب هو أن القادة الصينيين في سعيهم لإنقاذ النظام
المفلس، بدلا عن البدء بإصلاحات سياسية كما صنع جورباتشوف، أعطو الأولوية
للإصلاح الاقتصادي، وبدأت عملية الإصلاح الاقتصادي في الصين في مطلع
السبعينات، عندما كان ماوتسي تونج لا يزال حيا، أو لنقل شبه حي! وبعد عقدين
من الزمن، تضم الصين الآن مقاطعات كاملة -مثل مقاطعة كانتون الجنوبية- قد
أعادت تنظيم حياتها وفقا لأسس الاقتصاد الحر غير آبهة للدوجما الشيوعية
القادمة من بكين.
ولم تعد الصين،
التي يفوق عدد سكانها المليار نسمة، تلك الدولة المركزية التي حلم بها
ماوتسي تونج، فأجزاء منها، مثل مقاطعة منغوليا الداخلية، لا تزال تعيش ضمن
العصر الستاليني، لكن أجزاء أخرى، مثل شنغهاي، تحلم أن تكون كاليفورنيا
أخرى.
بعد خمسة أعوام
من الآن ستضاف هونج كونج إلى الصين، والناس هناك بدأت تسأل: هل ستمتص الصين
هونج كونج أم إن الذي سيقع هو العكس؟
وفي أقصى جنوب
غرب البلاد، لا تزال التيبت تظهر رغبتها الشديدة في جرعة قوية من الحكم
الذاتي الذي يجب أن يشتمل على إطلاق الحريات الدينية، كحد أدنى إن لم نقل
الاستقلال التام عن الصين.
والشعار العاقل
الوحيد في الصين اليوم هو: الاتحاد عن طريق الاختلاف والتنوع! وهي الطريقة
الوحيدة للتعبير عن حقائق الوضع في الصين.
ولو قبل
الاختلاف والتنوع كقاعدة للاتحاد، فإن هذا سيسمح للشعب المسلم في تركستان
بالحياة التي يختارها دون أن يخل ذلك، بالضرورة، بتماسك الاتحاد.
ونذكر هنا أن
الحدود الفاصلة بين تركستان وكازخستان، المستقلة الآن، كانت موضع العديد من
الخلالفات بين بكين وموسكو منذ منتصف الخمسينيات، وهناك نزاعات حدودية
مشابهة، ولو أنها أقل شأنا، بين الصين ودولتين أخريين حديثتي الاستقلال
الآن وهما: طاجيكستان وقيرغيزستان، والسبب هو أن نفس الشعوب تعيش عند طرفي
الحدود التي رسمها الضباط الاستعماريون كخطوط مستقيمة على الخريطة في القرن
التاسع عشر.
وعندما كان
الاتحاد السوفياتي حيا، كان لخشية نشوب حرب كبري بين العملاقين الشيوعيين
أثر الإبقاء على الحدود هادئة إلى حد ما، فلقد تقاسمت موسكو وبكين، برغم
خلافاتهما الأيديولجية الكثيرة، هدف الإبقاء على مواطنيهما تحت سيطرة
مركزية حازمة.
والآن، ليست
هناك ضمانات قائلة بأن الأويغور والطاجيك والقيرغيز والأوزبك الذين يعيشون
الآن على جانبي حدود مصطنعة، لن يبدأوا بخرق أو تجاهل الحدود الدولية
المرسومة، بل إن الدول الحديثة الاستقلال هذه، تجد لزامًا عليها أن تهب
لنجدة بني جلدتها في الصين ومساعتدتهم على نيل حريتهم، وهكذا يصبح المسرح
معدا لصراع كبير قد تنجر إليه، بعد حين، قوي إقليمية أخرى.
وتحتاج الصين
إلى جزء كبير من قواتها المسلحة لحماية حدودها التي يبلغ طولها آلاف
الأميال قاطعة أراضي في منتهى الوعورة، والبديل لكل هذا، طبعًا، هو ان
تنتهج الصين سياسة التوثيق والملائمة، وعليها أن تتخلى عن هدف تحويل الشعوب
الفخورة بهوياتها العرقية والدينية والثقافية إلى صينيين، وعلى كل حال، فإن
الغالبية العظمى من الصينيين الأصلي، لا يقبلون أبدا الناس المتصينين
كأعضاء في نفس العائلة، فللعوائل المختلفة أن تعيش وتعمل معا وتحترم كل
منها الأخرى.
ويلزم بكين
أيضا أن تتخلى عن إعلامها الإلحادي الذي أسسه ماوتسي تونج والقتلة من الحرس
الأحمر، فالناس لم تتوقف عن الإسلام لأن المساجد تحرق أو تغلق وتحتاج (شين
جيانج) (تركستان) برنامج تطوير اقتصادي شامل، فتلك المقاطعة التي تكاد
مساحتها ن تبلغ مساحة أوروبا كلها، هي واحدة من أغنى مناطق الصين من حيث
الثروة المعدنية واحتياطات الطاقة، ومع ذلك فهي آلافقر في البلاد، فحصة
الأسد من ثروة تركستان تستخدم لتمويل ودعم رخاء المناطق الأخرى في الصين.
ويتحل الصينيون
الأصليون (الهانيون) أحسن المناصب في الوظائف المدنية والعسكرية، في حين
يوضع بعض المسلمين في بضعة مناصب عليا لأسباب رمزية لا غير.
وبعبارة أخرى،
يشابه الوضع القائم في شين جيانج اليوم الأوضاع الاستعمارية التقليدية التي
سادت الاتحاد السوفياتي لحين انهياره في العام الماضي، لكن الصينيين لم
يمارسوا سياسة القتل الجماعي التي مارسها البلاشفة ضد المسلمين، ومع ذلك
فالحكم الصيني يشابه الهيمنة الستالينية فيما يتعلق بالقسوة في المسلمين.
بعد كل ما
ذكرنا، فليس في مصحلة أحد أن تنفصل شين جيانج عن الصين، ولا يبدو أن قادة
التيارات الرئيسية لمسلمي الصين يريدون ذلك، فكل ما يريدونه هو حكم ذاتي
يضمن مصالحهم الاقتصادية وحقوقهم الثقافية وحرياتهم الدينية، وهذه مطالب
معقولة يتوجب على الصين ألا ترفضها قبل أن تصغي إليها كما هو حاصل.
جريدة الشرق
الأوسط
13 مارس
1992م
10 رمضان
1412هـ
|