|
المحاربة بين الحرية و الاستعمار فى التركستان الشرقية
بقلم: محمد أمين بوغرا
رب إياك نستعين
هذا ملخص ما نشرناه من رسائل وألقيناه من محاضرات بلغات مختلفة فى مدن شتى
منذ أشهر مضت. وما نريد بهذ إلا تزويد أذهان اخواننا العرب بالمعلومات
الحقة فى ما يجرى فى جزء من العالم الإسلامى، ودحض أباطيل دعايات الاستعمار
الروسى و الصينى التى يذيعها عملاؤهما فى البلاد الاسلامية الحرة قاصدين
بذلك:
أولا
–
مد الستار على كفاحنا لاسترداد وطننا المقدس وحريتنا المغصوبة من أيدي
أؤلئك الغاصبين.
ثانيا
–
التملص من تأييد العالم الإسلامى لمطالبنا القومية فى المحافل السياسية
العالمية.
فهذا غيض من فيض وفيه عبرة لأولي الألباب.
الصراع الاستعمارى بين روسيا والصين
لأجل التركستان الشرقية
هاتان الدولتان المجاورتان للتركستان الشرقية فى صراع سياسى دائم لتستأثر
إحداهما بتلك البلاد على الأخرى، والسبب فى ذلك:
أولا
–
كثرة المعادن الثرية تحت أتربتها و خصوبة أراضيها.
ثانيا
–
أهمتيها الاستراتيجية من حيث المواصلات البرية والجوية فيما بين شرقي آسيا
وغربيها وشماليها وجنوبيها.
فهناك ثلاثة عقليات استعمارية:
أولاها: العقلية الصينية، وهى تستهدف إبقاء تلك البلاد تحت سيطرة الصين على
أى ثمن كان.
ثانيتها: العقلية الروسية، و هى تستهدف الاستيلاء الروسى عليها اليوم أو
غدا لتستبد روسيا بالحكم على التركستان الكبيرة بأسرها وباستثمار ثوراتها
الهائلة و تجعلها مركزا استراتيجيا للتوسع الاستعمارى إلى الجنوب والشرق.
ثالثتها: العقلية الصينية الروسية المشتركة، وهى تستهدف عرقلة الاستقلال
الوطنى الذى يكافح الشعب التركستانى من أجله.
و هذ الصراع و هذه العقليات ليست بأشياء حديثة، بل هى من ولائد القرن
التاسع عشر أحدثتها القوات الروسية والصينية حينما التقتا على حدود تركستان
الشرقية سنة
1879
م. فمن جانب أورثتها روسيا القيصرية لروسيا البلشفية، ومن جانب آخر أورثتها
إمبراطورية الصين لجمهورية الصين وهى للصين الشيوعى. فالصراع والعقليات
التى تهدد الآن كيان الصداقة بين كرملين وبكين هى نفس ذلك الصراع والعقليات
التى استمرت فى أزمنة الأنظمة البائدة لهاتين الدولتين.
و للحصول على علم بالحقائق المذكورة لا بد لنا من أن نلفت أنظارنا إلى
التاريخ السياسى للتركستان الشرقية منذ أواسط القرن التاسع عشر الميلادى.
لما استردت التركستان الشرقية حريتها المغصوبة من يد الصين، وحصلت على
استقلالها سنة
1862م
تشكلت فيها دولتان مستقلتان، إحداهما فى الجنوب والأخرى فى الشمال، تفصل
بينهما سلسلة جبال الآلهة (واسمها الصينى تيانشان)، فأخذت روسيا تختلق على
الدولة الشمالية أكاذيب الاعتداء على حدود الأراضى الروسية كأهبة للاستيلاء
عليها حتى زحفت القوات الروسية تحت قيادة والي تركستان الروسي واستولت
عليها سنة
1871م،
وأسرت ملكها أعلى خان الذى مات فى الأسر فى مدينة آلما آطا.
مات ملك الدولة الجنوبية يعقوب بك فجأة سنة
1877م
حينما كانت رحى الحرب تدور بين جيشه وبين القوات الصينية الزاحفة إلى
البلاد. ومن المؤسف أن أولاده وقواده تنازعوا على العرش وحاربوا فيما بينهم
تفرقوا بدلا من أن يتحدوا للدفاع عن الوطن ضد العدو الأجنبي، حتى استولت
القوات الصينية على البلاد سنة
1878م.
ابتدأت المفاوضات الدبلوماسية بين الصين وروسيا سنة
1879م
لتحديد الحدود بين مستعمرات الدولتين، وبعبارة أوضح لتقسيم التركستان بين
الدولتين المعتديتين، حتى اتفقتا على تخطيط الحدود الحاضرة بتوقيع معاهدة
بطرسبورغ سنة
1881م،
ولكن روسيا لم ترض بتوقيعها إلا بعد أن قبضت سبعة ملايين روبلة ذهب كتعويض
عما تخلت عنه للصين، وهى قسم صغير مما غصبته فيما قبل. وعلاوة على ذلك أخذت
روسيا امتيازات تجارية غير تابعة للجمارك وامتيازات سياسية مرهقة جدا. فكان
القنصل العام الروسى يستثمر امتيازه السياسى بصورة استفزازية لا يوجد لها
مثيل فى الحقول الدبلوماسية فى العالم أجمع، ولم يكن له مناضل سوى القنصل
العام الإنجليزى، وأما الوالي الصينى فكان يحكم البلاد اسميا تحت الذل
والهوان كآلة لتنفيذ مطالب القناصل الأجنبية على ضرر الأهالى المضطهدين.
فلخص أستاذنا مولانا التجلي هذا الوضع الغريب فى كتابه «تحفة البرين»
بقوله:
عم الفساد على البلاد بأسرها،
من حاكمين بها ونصف الحاكم.
واستمر الحال على هذا المنوال إلى انقراض نظام القيصرية فى روسيا.
ابتدأت العلاقات المختصة بالتركستان الشرقية بين جمهورية الصين وروسيا
السوفيتية فى سنة
1924م
بعد معاهدة تجارية عادية وإنشاء قنصليات فى مدن متعددة، ولم يحدث أية حادثة
غير عادية إلى سبع سنوات.
عجزت جمهورية الصين عن اتخاذ التدابير ضد الثورة الوطنية التى قام بها
مسلمو التركستان الشرقية سنة
1931م
إلى سنة
1934م،
فكلت قواها وأعيت حيلتها عن هدم بناء الحرية والاستقلال الذى بناها أهلها
الباسلون بحد سيوفهم. ومن جانب آخر كانت الروسيا السوفيتية تنظر إلى حصول
أهل التركستان الشرقية المجاورة للتركستان الغربية على استقلالهم القومي
بعين الحذر والحقد، وتترقب فرصة لهدم هذا الاستقلال قبل أن تشتد قوته، وذلك
تبعا لعقليتها التى ورثتها عن أمها روسيا القيصرية. فاتفق جيانك كاى شك مع
ستالين على قمع الثورة الوطنية للتركستانيين بالقوات الروسية على شرط
امتيازات سياسية واقتصادية تعطى لروسيا فى التركستان الشرقية وبقاء البلاد
تحت السيطرة الصينية اسميا. والحاصل أن جيانغ كاى شك رجح وضع تلك البلاد
تحت نير الاستعمار السوفيتى على أن يراها كمملكة ذات سيادة مستقلة تحررت من
ربقة الاستعمار الصين الغاشم. وكذلك ستالين انتهز تلك الفرصة السانحة
للاستيلاء على تلك البلاد التى تحرر أهلها من العبودية فاستعبدها بالحديد
والنار وسفك الدماء الطاهرة أنهارا. كفى بتلك الكارثة شاهدا على كذب دعوى
الشيوعيين أنهم يؤيدون كفاح التحرر الوطنى من الاستعمار الأجنبي.
فبهذه الصورة أخذت حكومة السوفيت حكم البلاد بيدها على أن يكون باسم الصين،
و أسست الصورة فيها جميع ماكينات الإرهاب الستالينى لغرض قمع الميول
الوطنية من أبناء البلاد تمهيدا لاغتصابها نهائيا. ولكن الحرب العالمية
الثانية قد أحدثت إمكانيات لجيانغ كاى شك على استعادة تلك البلاد رغم أنف
ستالين.
وعندما ثار أهل المناطق الشمالية من التركستان الشرقية على حكومة الصين سنة
1944م،
كان أول تدبير اتخذه جيانغ كاى شك إصدار الأوامر إلى قواده بإيقاع مجازر
عامة فى الأهالي، ولكن قواته انهزم هزيمة شنعاء بدلا من تنفيذ المجازر.
وفضلا عن ذلك أن الثائرين عقدوا مع روسيا معاهدة صداقة سرية وأخذوا منها
الأسلحة اللازمة وزحفوا إلى أورمجى عاصمة البلاد، فأعلن جيانغ استعداده
للصلح إذا توسط روسيا بينه و بين الثائرين، وكان هذا لعبة دبلوماسية لعب
بها جيانغ على ستالين. فإنه كان قد يقع فى حالة حرجة فى المحافل الدولية
إذا لم يقبل اقتراح جيانغ. فأسرع ستالين لقبول ذلك الاقتراح و أصدر الأوامر
لمندوبيه ليتوسطوا فى مفاوضة الصلح، فانعقد الصلح على أن يشكل فى التركستان
الشرقية حكومة ذات صبغة محلية تقرب الحكم الذاتى تحت سيادة الصين. فنجحت
الدولتان مرة ثانية فى عرقلة حصول الشعب التركساني على استقلاله. وكان ثمن
توسط روسيا أن حكومة الصين قبلت إدخال أشخاص من جواسيس روسيا وهم برهان
الشهيدى وزملاؤه كأعضاء فى حكومة التركستان الشرقية. وهم الذين لعبوا
أدوارا مهمة فى عرقلة تقدم البلاد سياسيا واقتصاديا وثقافيا وأفادوا فوائد
كبيرة لتسهيل استيلاء الشيوعيين عليها.
أما الصراع بين السوفيت والصين الشيوعى فكما يلى:
لما ضرب الشيوعيون فى الصين ضربة قاضية على قوات جيانغ كاى شك وأخذوا
يزحفون إلى نانكين، ازداد جواسيس السوفيت فى التركستان الشرقية وأخذوا
يذيعون شائعات تستهدف انضمام التركستان الشرقية إلى اتحاد جمهوريات السوفيت
عن قريب. فبتأثير تلك الشائعات برز جماعة من أذناب الشيوعييين ومن الذين
يبالغون فى عداوتهم ضد الصين وأخذوا فى الإرهاب ضد الوطنيين الاستقلاليين
وضد رجال حكومة الصين الوطنى، ولكنهم انهزموا وفروا إلى المناطق الشمالية
التى كان نفوذ روسيا فيها قويا.
ولما انقطع الاتصال بين التركستان وجمهورية الصين الوطنى فى شهر آغسطس من
سنة
1949م
قرر القائد العام الصينى فى التركستان الشرقية الاستسلام للصين الشيوعى
تفاديا من انضمام البلاد إلى روسيا السوفيتية، فوقعت روسيا فى حالة سياسية
حرجة، لأنها إذا ضمت التركستان الشرقية إلى بلادها على رغم استسلام حاميتها
للصين الشيوعى ستتعرض العلاقات بينهما للخطر. فأعلنت حكومة السوفيت فورا
اعترافها بأن التركستان الشرقية جزء من الصين، و أسكتت الإنضماميين بسحب
زعمائهم إلى روسيا وإعلان موتهم بسقوط طائرة ركبوها، والحقيقة أنها قتلتهم
أو غيبتهم عن العيون لإرضاء الصين الشيوعى.
ولكن هذا الأمر الواقعى لا يعد خاتمة لنشاط حكومة السوفيت فى سبيل الحصول
على أغراضها فى التركستان الشرقية، فهى لا تزال مجتهدة لضمها إلى
مستعمراتها بطرق ملتوية أخرى كما يلى:
أ
–
ساقت حكومة السوفيت جيشا جرارا إلى التركستان الشرقية سنة
1950م
باسم الإمداد للصين الشيوعى لقمع الثوار الوطنيين. وعلاوة على ذلك شكلت
جيشا عدده
35
ألف من الإنضماميين الذين كانوا اجتمعوا فى المناطق الشمالية باسم قوات
الأمن المحلية تحت قيادة الضباط الروسيين وفرقت طوابيرها فى البلاد.
ب - دعا ستالين فى أول سنة
1950م
ماوتسى تونغ وشو إن لاى إلى موسكو وأرغمهما على توقيع معاهدات أملاها طاغية
كرملين. و علاوة على ذلك أملى الطاغية مسودة معاهدات سماها بـ «المعاهدات
الصينية
–
السوفيتية
–
السنكيانجية» ووقع عليها سيف الدين (وكان مساعد الوالى وجاسوسا قديما
لروسيا» باسم التركستان الشرقية، وهي هذه المعاهدات الخمس:
1- معاهدة شركة تجارية احتكارية بين الصين وروسيا فى سنكيانغ.
2- معاهدة شركة تنقيب النفط فى سنكيانج واستخراجه.
3- معاهدة شركة تنقيب المعادن الملونة فى سنكيانج و استخراجها.
4- معاهدة شركة إنشاء السكك الحديدية في سينكيانغ واسغلالها.
5- معاهدة شركة الطيران المدني بين سينكيانج و بين جمهوريات السوفيت.
وتفاصيل مواد تلك المعاهدات وأغراضها طويلة جدا تركناها لفرصة أخرى، وإنما
نذكر الهدف الروسى من تلك المعاهدات وهى أن تبقى التركستان الشرقية تحت
سلطة الصين اسميا وتحت سلطة روسيا بالمعنى الحقيقى إلى أن تحين فرصة أخرى
وأن تتخذ الاستعدادات اللازمة لانتهاز تلك الفرصة لضمها إلى الاتحاد
السوفيتى نهائيا.
ج
–
وكان هناك مشكلة أخرى، وهى أن الصين سواء كان وطنيا أو شيوعيا يريد جلب
العائلات الصينية إلى التركستان الشرقية وإسكانهم فيها حتى يتكاثر الصينيون
فيها على سكان الأصليين المسلمين وتصير البلاد بلادا صينية. ولكن روسيا
تعارض هذا أشد المعارضة. وقد حدث نقاش مر بين الدولتين مرارا فى هذا
الموضوع فى الماضى، ونحن لا نعلم أن هذه المشكلة هل أدرجت فى معاهدات موسكو
أم لا، ولكننا رأينا أن الاجراءآت التى نفذت فى هذا الموضوع منذ عقد
معاهدات موسكو إلى سنة
1954م
كانت توحى إلينا أن الصين الشيوعى قد أعطى وعدا على أى صورة كانت بأنه لن
يسوق جاليات الصين إلى التركستان الشرقية.
لماذا خضعت حكومة الصين الشيوعى هذا الخضوع المخجل لمطامع ستالين المجحفة
إجحافا لا بد أن لا تتحمل دولة ذات سيادة؟ خضعت حكومة الصين الشيوعى لروسيا
لأنها كانت حينئذاك جديدة لم تستقر أقدامها بعد على منصة الحكم، و كانت تحت
ضيق اقتصادى يهدد كيانها إلى غير ذلك من الأخطار الجسيمة، وعلى الأخص كانت
مشكلة التركستان الشرقية مهددة لعلاقات الصداقة بين الدولتين. وكان الوقت
وقت التبصبص للأقوى، وهذا ديدن الصين منذ القديم. ومن جانب آخر كانت حكومة
الصين الشيوعى تطمع أن يمنحها السوفيت صديقها الوحيد بل ملجئها الاوحد منحا
اقتصاديا كبيرا.
ولكنه لا بد لنا أن لا ننسى أن الصين الشيوعى فى ذلك الوقت نفسه قد أعد سرا
برامج التملص من التحكم السوفيتى بعد ما ضعف القنطرة فيما بعد، كما سيرى
القارئ الكريم فيما يلى:
لم يمض وقت طويل حتى أخذ الصين الشيوعى فى النشاط للتخلص من استفزازات
السوفيت. فنحن نبحث هنا عما يختص بالتركستان الشرقية من النشاط المذكور.
إننا شاهدنا أن الصين قد بدأ فى النشاط لإبعاد النفوذ السوفيتى عن تلك
البلاد منذ أول سنة
1952م
و كان على صحيفتين: الأولى ما كانت تحت الستار، والثانية ما كانت علنية.
ورأينا أن الصين قد أحرز نجاحا باهرا فى كلتي الصحيفتين ونحن نلخصهما كما
يلى:
النشاط تحت الستار:
ا
–
فى سنة
1952م
أعلن الصين الشيوعى أنه قد اختتمت حركات قمع الثورات فى التركستان الشرقية،
و أن تلك البلاد لا تطلق بتمرين جيش عظيم. ثم سحب قسما من جيشه إلى داخل
الصين، وبعد ذلك بدأ يشكر فى كل مناسبة على خدمات الجيش السوفيتى التى
أداها فى قمع الثائرين، مشيرا بذلك إلى عدم الضرورة لبقائه فى البلاد وإلى
لزوم سحبه منها. فرأت حكومة السوفيت أن سحب قواتها خير لها قبل أن يقال
«اسحب!» فسحبها على مضض. فبعد أن انسحب جيش السوفيت جردت حكومة الصين ذلك
الجيش المحلى الذى يقوده ضباط الجيش الروس من الأسلحة وسرحت أفرادها.
فتخلصت بهذه الطريقة من القوات المسلحة السوفيتية.
ب
–
بدأ الصين الشيوعى يرسل بضائع صينية رخيصة إلى التركستان الشرقية فضرب ضربة
قاضية على بضائع السوفيت حتى اضطر لتقليل صادراتها إلى تلك البلاد.
ج
–
أرسلت حكومة الصين الشيوعى عددا كبيرا من الجاليات الصينين إلى التركستان
الشرقية تحت اسم أسر الجنود وأسر قتلى الحرب وأشاعت أن هؤلاء يقيمون فى
البلاد وقتيا. وتدل الارقام الرسمية على أن عددهم كان يزيد على ثلاثمائة
الف. ثم انتهزت حكومة الصين فرصة إعداد البرامج المشتركة بين الدول
الشيوعية لتنمية المحصولات الزراعية فادعت أن فى التركستان الشرقية أراض
واسعة قابلة للزراعة ولكن الأيدي العاملة لا تكفى لزراعتها وساقت إلى تلك
البلاد جيوشا جرارة من شبان الصين باسم «وحدات الجيوش الزراعية» وقد بلغ
عددهم على ما وصلنا من الأخبار الرسمية من أورمجى إلى تسعمائة الف.
النشاط العلنى:
ا
–
فى سنة
1954م
أسكنت حكومة الصين أؤلئك الصينيين الذين جاءت بهم بأسماء مزيفة كما سبق
بصورة علنية فى أنحاء البلاد كمستعمرين، وفتحت أبواب سيول الهجرة من الصين
إليها فتحا كليا.
ب
–
شكلت قوة مسلحة من جاليات الصين وعددهم خمسمائة الف جندى، فبلغ جيش
الاستعمار الصينى إلى عدد لم ير مثله فى تاريخ البلاد.
ج
–
وفى سنة
1955م
اقترحت حكومة الصين الغاء معاهدات موسكو المنعقدة سنة
1950م
التى كانت تمنح للسوفيت السلطة الحقيقية فى التركستان الشرقية، فرأت حكومة
السوفيت أنها اذا رفضت هذا الاقتراح سيحدث فى الصين حوادث كما حدث فى
بولونيا و المجر و شرقى المانيا. فحلت المشكلة بإيجاد صيغة وهى «التخلى عن
شركات التجارة والبترول والسكك الحديدية لكفاءة الأخصاء الصينيين» ولم يبق
الآن فى يد السوفيت من الامتيازات سوى شركة تنقيب المعادن الملونة
واستخراجها. ففى وراء ستار هذا الامتياز يستمر السوفيت فى استخراج معادن
يورانيوم ويستخدم مصانع الاسلحة الذرية التى كان أسسها سرا فى خبايا
الأودية والصحارى فى تلك البلاد البعيدة عن عيون المراقبين.
د
–
طردت حكومة الصين من التركستان الشرقية كل من يحمل وثيقة جنسية السوفيتية
ولو كان من أهل البلد الأصلى. وعدد الذين طردتهم حكومة الصين إلى التركستان
الغربية يزيد على عشرة آلاف. ثم أقفلت أربعا من خمس قنصليات سوفيتية كانت
فى تلك البلاد. وبهذه الطريقة تخلصت عن الطابور الخامس السوفيتى إلى حد
كبير.
هـ
–
من المعلوم أن الشعب التركستانى قد تيقن بأن الصين لا يريد إلا محو الوصف
القومى الذى هو الأساس الوحيد لكيان كل أمة، وجعل البلاد مقاطعة صينية بحتة
حتى يأكل من خيراتها إلى الابد بدون أن ينازعه أحد لا فى داخل البلاد ولا
من خارجها. فلم يجد الشعب سبيل النجاة إلا فى الكفاح للاستقلال التام
فقاموا قيام رجل واحد ويستمر الحروب الدامية والكفاح المسلح فى البلاد منذ
سنة
1957م.
ومن الطرائف أن الدلائل التى وصلت إلينا تدل على أن روسيا السوفيتية تشجع
هذا الكفاح بتهريب الأسلحة إلى المحاربين وتزويد المثقفين بإعطائهم
المعلومات اللازمة وإيواء اللاجئين منهم.
لماذا خفى كفاح أهل التركستان الشرقية عن أنظار أهل العالم
استولى الصين الشيوعى على تلك البلاد بعد استسلام الحامية الصينية الوطنية
كما سبق كاستسلام غاصب لغاصب أقوى منه. وأما الأهالى فاستمروا على جهادهم
وكفاحهم بل ضاعفوا فى الجد والجهد لما رأوا أن العدد الثانى أشد قسوة من
الأول. فثمانية ملايين مسلم يجاهدون لاسترجاع حريتهم المغصوبة وإنقاذ
بلادهم الإسلامية من أعداء الله وأعدائهم. ومع أنهم ضحوا فى ذلك الجهاد
المتواصل الطويل أزيد من مائتي ألف من إخوانهم الكرام ما اعتراهم وهن ولا
فشل.
وفضلا عن ذلك أن الآلاف المؤلفة من اللاجئين الذين هاجروا إلى خارج بلادهم
العزيزة لم يخلدوا إلى الراحة بل يؤدون واجب الكفاح فى سبيل وطنهم مستفيدين
من حرية الاعمال التى وجدوها فى العالم الحر. فهم فى كفاحهم دائم على حسب
ما تسمح لهم قوانين البلاد التى يقيمون فيها.
إذا لفتنا انظارنا إلى كفاح التركستانيين وإلى كفاح إخواننا الجزائريين فى
سبيل التحرر من نير الاستعمار الأجنبي لرأينا أنهما من جنس واحد من حيث
المبدأ والكمية والكيفية تقريبا، ولكننا نرى بيننا من حيث الإمكانيات
الآتية:
الجزائر من حيث موقعها الجغرافى قريبة من كل مكان وهى واقعة على ساحل
البحر. أما التركستان الشرقية فبعيدة عن الدنيا من جراء سلاسل جبال الثلج
والصحارى الرملية المحيطة بها، وعلاوة على ذلك هى أبعد بلاد العالم عن
البحار، إذ هى واقعة فى وسط آسيا الممتدة الأطراف.
الجزائر مفتوحة أبوابها إلى الاتصال بجيمع شعوب الدنيا. أما التركستان
الشرقية فمسدودة الأطراف بالستار الحديدى الأحمر. فهى محرومة عن الاتصال
الحر بالعالم كله.
الجزائر تمتد إليها الأصدقاء من جوانبها الاربعة وترد إليها الإمدادات
منهم، أما التركستان الشرقية فلا صديق ولا حميم لها سوى الله وسوى أبنائها
الباسلين.
نرى ونسمع حوادث تقع فى نواحى العالم تحدث دوى القيامة فى اليوم الذى وقعت
فى جميع البلدان، و لكن المجازر الوحشية التى يرتكبها الجلادون الشيوعيون
ويذبحون ألوفا من بنى الإنسان فى غضون أسبوع واحد فى التركستان أو غيرها من
الممالك التى وقعت تحت الاستعمار الروسى والصينى لا تصل إلى مسامح مع أهل
العالم قط أو تصل بعد مضي الاشهر العديدة، ولكنها لا تحرك ساكنا كأن تلك
المجازر من الوقائع العادية مثل ذبح الأغنام فى المذابح.
فأسباب انعزال تلك الممالك فى ظلام الخفاء عن أنظار أهل العالم ليست ما
ذكرناه آنفا فحسب، وهناك أسباب أخرى كما يلى:
لا يأذن الصين الشيوعى بالدخول فيها إلا لأشخاص تيقن بولائهم له أو لأشخاص
وجه إليهم دعوة ليشاهدوا المناظر الخاصة التى أعدها الشيوعيون بقصد مخادعة
الزوار الأجانب لكي يشيعوا ما رأوه ويكونوا آلات للدعايات الكاذبة بدون أن
يشعروا بالحالات الحقيقية فيما وراء الستار الحديدى. وبالأخص أن تلك البلاد
محرمة على الصحفيين المحايدين والرسميين الذين ينتمون إلى العالم الغير
الشيوعى.
أقفل الصين الشيوعى منذ سنة
1951م
قنصليات باكستان والهند وأمريكا وبريطانيا التى كانت فى التركستان الشرقية
ولم يبق فيها سوى قنصلية روسيا.
فتمكن الصين الشيوعى من سد أبواب وصول الأخبار الصادقة إلى العالم. فلا
يسمع العالم من أخبار المجازر التى أوقعها الشيوعيون وعملاؤهم على المسلمين
لاغتصاب بلادهم وحقوقهم إلا قليلا جدا. ومن تلك الوقائع الدامية التى
أصلاها شعب التركستان الشرقية ضد الاستيلاء الأجنبي ومن ذلك الكفاح المر
المتواصل فى مطالبة الحرية والاستقلال الوطنى إلا النزر اليسير جدا.
فالحقيقة أن ما وقع فى التركستان الشرقية وغيرها من المماليك التى يستولى
عليها الاستعمار الروسى والصينى أفجع وأبشع مما وقع فى المجر الذى أقام و
أقعد العالم بأسره وأمطر الدنيا على مرتكبيه وابل اللعن والسب. والشاهد على
ذلك فجائع التبت التى وصلت أخبارها إلى آذان أهل العالم بواسطة الهنود
الذين ثاروا غضبا لما دهاهم من فرار دالاي لاما من مقر عرشه الذي هو رمز
البوذية والتجائه إلى أرض الهند. ولا يعلم أن دوي تلك الحوادث التى هزت
العالم حتى وصلت إلى منصة جمعية الأمم المتحدة، هل تكون فاتحة انتباه
للعالم لما جرى ويجري فى غيرها من البلاد التى تقاسى أكثر وأطول مما قاساه
أهل التبت أم لا؟
حقيقة مهمة
إن أهل تركستان الشرقية المكافحين للتحرر من الاستعمار الصين الشيوعى
اضطروا للاستمرار فى كفاحهم بدون زميل ولا مناصر. مثلا إن الصين الوطنى لن
يشأ أن يوحد العمل فى الكفاح ضد الصين الشيوعى مع أهل التركستان الشرقية.
ومسئولية ذلك تعود إلى الصين الوطنى مائة فى المائة، لأنه مصر فى ادعائه أن
التركستان الشرقية جزء من الصين، وأنه يرفض الاعتراف بحق حرية تلك البلاد
واستقلالها، وأنه ينوى الاستيلاء عليها حينما ينقذ الصين من الحكم الشيوعى.
وذلك رغما على أن جزيرة فورموزا التى التجأ إليها الصين الوطنى تبعد عن
التركستان الشرقية بمسافة تزيد على خمسة آلاف من الكيلومترات ويفصل تلك
القارة العظيمةالتى يحتكم فيها العدو، وأن التركستان الشرقية ليس له عليها
سيطرة ما فعلا منذ عشر سنوات و لا يحتمل أنه سيعيدها إلى حكمه، لأن الله
سوف يعيدها إلى أهلها أصحابها الشرعيين على رغم أنف الصين شيوعيا كان أم
وطنيا. لكن هذه الحقائق لم يتغلب على أمانى الصين الوطنى الاستعمارى.
وجدير بالذكر أن حكومة الصين الوطنى رفضت مطالبة أهل التبت بالاعتراف
لاستقلال تلك البلاد وخالف عرض مسألة التبت إلى جمعية الامم المتحدة، لأنه
يتضمن معنى الاعتراف بكونها مملكة قائمة بذاتها تستحق الحرية. ولما عرضها
إليها غيرها من الدول أذاعت بيانا وهو "أن مصير التبت ستقرره حكومة الصين
الوطنى بعدما تنقذ قارة الصين من سيطرة الشيوعيين على طريقة يرتضيها شعب
التبت" و الظاهر أن معنى هذا البيان أن حكومة الصين الوطنى لا تنوى
الاعتراف بحق استقلال التبت فى الحال ولا فى الآتى. فرفض دالاي لاما دعوة
جيانغ كاي شنغ إياه لزيارة فرموزا وقطع علاقته عنه، وفي هذا دليل واضح على
سوء نية تلك الحكومة فى حق مصير التركستان الشرقية. فثبت بذلك مرة أخرى أن
الصين استعمارى مهما كان لونه ونظامه ومهما كان مقدرته وإمكانياته. وأهل
التركستان الشرقية لا يبالون بذلك و يستمرون فى كفاحهم للتحررمن سيطرة كل
أجنبى والله المستعان.
حقيقة أخرى لا بد لنا أن نعترف بها
يكافح أهل التركستان الشرقية والممالك التى يسيطر عليها الاستعمار الروسى
أو الصينى بقوى أنفسهم وليس لهم نصير سوى الله. وربما يخطر ببال الإنسان
ثلاثة أشياء كمراجع للمساعدة لهذا الكفاح وهى:
جمعية الامم المتحدة ومجموعة الدول المعادية ضد الشيوعيين و تسمى بـ
"العالم الحر" ومجموعة الدول الإسلامية.
ولكن هذا الخاطر لا يتجاوز عن كونه حلما طيبا لا تأويل له. فلنوضح رأينا
هذا بإمعان أنظارنا فى الأوضاع الحقيقية لتلك المؤسسات العظيمة كما يلى:
أما جمعية الامم المتحدة ، فالمبادئ التى كانت عاملة فى تأسيسها هى عبارة
عن تحريم الحرب بين الشعوب، وإقرار السلام فى العالم، وكون الحق والعدالة
حاكمين على الشعوب، والمحافظة على حقوق الإنسان إلى غير ذلك من المتمنيات
العالية. وقد اعترفت الجمعية بحق الحرية للشعوب المستعبدة بفقرة في المادة
55
من ميثاق الجمعية وهذا نصها: «سيقرر السلام والصداقة المتبادلة بين الشعوب
باحترام حقوق الشعوب فى تقرير مصيرهم».
ولكن من المؤسف حقا أن جمعية الأمم المتحدة ليست بمؤسسة جمعت تحت سقفها
أصحاب النوايا الصالحة فحسب، بل هى تشتمل على أصحاب أخبث النوايا أعداء
الإنسانية وهم ممثلو الاستعمار الجديد الشيوعى. فبهذا السبب لم تتجاوز تلك
المبادئ العالية من أن تكون زحارف زينت بها صحائف ميثاق الأمم المتحدة ولم
تحصل منها الفوائد المطلوبة منها. وفضلا عن ذلك أن تدخلات أؤلئك المفسدين
قد سببت لإدراج مواد الضعف الآتية فى نص الميثاق المذكور:
أولا
–
إن جمعية الامم المتحدة لا تملك أى سلطة تنفيذية وإنما هى مؤسسة توصيات
فحسب.
ثانيا
–
إن تنفيذ مواد ميثاق الأمم المتحدة وتوصياتها التى وضعت عليها توقيعات
جميع الدول الأعضاء ترك إلى خيار الدولة صاحبة العلاقة بتلك المواد أو
التوصيات وليس للهيئة العمومية للجمعية حق التدخل على أى صورة كانت.
ثالثا
–
إن تقديم الشكوى إلى الجمعية المذكورة حق يختص به الدول المستقلة الاعضاء
فيها ولا حق لأى شعب أو شخص مظلوم فى أن يرفع شكواه إليها.
فهذه القيود هى التى جعلت الأعضاء الأحرار فى تلك الجمعية صما بكما، فهم لا
يسمعون صراخ الشكاوى التى تأتيهم من الأمم المستعبدة التى تطلب النجاة من
الظلم الأجنبي وتقرير مصيره، ولا يستطيعون أن يناقشوا فيها مناقشة مجدية.
والجدير بالذكر أن المشاكل التى اهتمت بها جمعية الامم المتحدة مما يتعلق
بمصير الأمم الضعيفة أو المستعبدة هى مشاكل فلسطين و كوريا وألمانيا
وفيتنام وكشمير. فأصدرت قراراتها بتقسيمها بين مناطق نفوذ الدولتين أو
الدول القوية المتنازعة فيها. وأنا آسف على أن هذه الاوضاع يذكرنى بذلك
الانتقاد المر الذى وجهه فيلسوف الشرق محمد إقبال إلى جمعية عصبة الأمم
التى تأسست فى زمانه فقال فى كتابه «تحية الشرق»:
ترجمة ذلك الشعر بالعربية:
لقد اخترع المهتمون بأمور العالم طريقة جديدة
لينسد تقاليد الحروب عن هذا المجتمع البالى
وأما أنا فلا أعلم أكثر من أن عددا من النباشين
قد أنشأوا ناديا لتقسيم القبور فيما بينهم.
وأما مجموعة دول العالم الحر فالظاهر أنها على استطاعة للمساعدة لتحرر
الأمم المستعبدة تحت نير الاستعمار الشيوعى. ولكنه من المؤسف حقا أن سياسة
التردد والتلكؤ التى تسود على العالم الديمقراطى تعيقه عن تلك المساعدات
إلى أن تصير حبة المشاكل العالمية قبة.
إن العالم الحر يواجه الاعتداءآت الشيوعية العالمية على جبهتين: جبهة
التسلح والتهديد بإشعال نيران الحرب التى تجتاح الدنيا بأسرها، وجبهة الحرب
الباردة التى أصلاها الشيوعيون على شعوب العالم كله.
فالتدابير التى اتخذها العالم الحر لإيقاف الاعتداء المسلح من إعداد القوات
المسلحة وعقد الأحلاف فهى مما تختص به الدول التى تملك قوة عسكرية أو قيمة
استراتيجية، والأمم الغير المستقلة تبقى خارجة عن هذه الجبهة طبعا.
وأما جبهة الحرب الباردة التى هى عبارة عن النشاط الهدام الذى اتخذته
الشيوعية سلاحا للاستيلاء على العالم بأسره، فالعالم الحر يظهر من نفسه فى
المقابلة بالمثل فى هذه الجبهة، لأنه لم يشعر بعد بأنه يملك حظا عظيما فى
إيقاع الضربات على العدو فى أضعف نقطة من جسمه. وأن هذه النقطة هى ممالك
الأقوام التركية المسلمة التى يستحصل العدو جميع طاقته الاقتصادية
والاستراتيجية من أراضى تلك الممالك. وأن الجيش اللازم لإيقاع تلك الضربات
هو أبناء تلك الممالك الأحرار الوطنيون. ويكفى لتوحيد العمل مع هؤلاء
الوطنيين الأحرار أن يحترم العالم الحر لمطالبهم الشرعية وحقوقهم
الإنسانية، ألا وهى الحرية والاستقلال. ولكننا نرى العالم الحر قليل
الاهتمام بهذا الموضوع. ونظن أن بعض الملاحظات السياسية والآراء الحسية هى
التى تسوق العالم الحر إلى هذا التردد المبهم، ونأسف على فوات الفرص.
أما مجموعة الدول الإسلامية: فالخطب أدهى وأمر. فإن عدد الدول الاسلامية
وإن بلغ فى هذه الايام إلى ستة عشر دولة مستقلة وسكانها تقرب من ثلاثمائة
مليون نسمة، لا يؤمل منها الغوث لإخوانها الذين يعانون أشد الآلام من جراء
الاضطهادات الاستعمارى، لأنها مشتغلة بتضميد جراحاتها وحفظ كيانها، وعلاوة
على ذلك نراها لا تستطيع لصون بقائها إلا بالمساعدات الأجنبية المادية أو
المعنوية. ولا أستطيع أن أنسى ما قال لى شخصية كبرى فى إحدى عواصم البلاد
الإسلامية منذ سنتين "اتركوا أنتم كفاحكم جانبا وساعدونا فى كفاحنا، فإذا
نجحنا فى كفاحنا وفرغنا منه فسنستطيع لمساعدتكم فى كفاحكم". وإنى وإن لم
أوافق هذه الفكرة لكننى أراها تدل على مبلغ المشاكل التى واجهتها تلك
المجموعة العظمى والله المستعان.
والحاصل أن وسائل النجاة للشعوب المستعبدة تحت نير الاستعمار الروسى
والصينى لا بد أن يفكر فيها أصحاب المبادئ الوطنية من مثقفي تلك الشعوب
بأنفسهم كما فعلوا إلى الآن، وأن يستمروا فى كفاحهم منتهزين كل فرصة مهما
صغرت أو كبرت. وهذا هو الصراط المستقيم الذى يجديهم نفعا خالصا. لأن تاريخ
البشر يثبت لنا ما وضع أساس بنيان العز والتعالى لكل شعب إلا بعزمه وجهده.
وأن نشاط كفاح التحرر لكل أمة إنما نشأ من العدم، فصار موجودا، ثم ترعرع
وقوي حتى وصل إلى الغاية المطلوبة. وأن الاستسلام لتيار اليأس فى تلقاء كون
العدو قويا والصديق غير مكترث لهو بدء الخيبة والانقراض.
إن هنا حقيقة واضحة وهى «أن هدفنا الأوحد هو استعادة حقوقنا المغصوبة من يد
الغاصب» وهذه الحقيقة الكبرى هى المنبع الوحيد لمبادئنا وآمالنا العليا.
فإذا آمنا بها إيمانا صادقا سيزول جميع العوائق عن أمامنا، وتفوز مبادئنا
بالاعتبار اللائق بها وستنهزم قوات العدو الهائلة تجاه هذه الحقيقة العظمى
وسينفتح عين الصديق المتغافل وأن الحق يعلو ولا يعلى عليه كما قال نبينا
الكريم صلى الله عليه وسلم. وأختتم هذا الفصل بذلك البيت المشهور للشاعر
التركى توفيق فكرت وهذه ترجمته:
إن كان للظلم مدافع وقنابل وقلاع،
فللحق ساعد لا ينحنى ووجهه لا ينحرف.
الأنباء التى تتعلق بالثورة القومية القائمة فى التركستان الشرقية
كتبت صحيفة «تسنيم» الباكستانية فى عددها الصادر فى شهر فبراير الماضى أنه
أذاع الثوار فى التركستان الشرقية بلاغا يقولون فيه إنهم يريدون أن يؤسسوا
دولة مستقلة باسم ((دولة التركستان الشرقية)) أو باسم ((أويغورستان))، وأن
المثقفين الذين اشتركوا فى مؤتمر انعقد فى أورمجى عاصمة البلاد طالبوا
حكومة الصين الشيوعى بإعطاء تلك البلاد الاستقلال التام وأنذروها بحدوث
الثورة الدامية كثورة المجرإذا لم تقبل هذه المطالبة.
وكتبت صحيفة «سنكيانغ» التى تنشر فى أورمجى فى عدديها الصادرين فى
10
و
11
مارس الماضى أن ثلاثمائة وثمانية وسبعين شخصا من أعضاء المجلس السياسى
الاستشارى للمقاطعة ومن أعضاء الجمعية الإسلامية قد اعتقلوا وأرسلوا إلى
معتقلات السخرة وذلك لأنهم خالفوا النظام الشيوعى وطالبوا بتشكيل جمهورية
مستقلة.
والجدير بالذكر أن إذاعة طاشقند فى التركستان الغربية تنشر تعاليق تحتوى
على إظهار الصداقة لأهل التركستان الشرقية من حين لآخر. وهذا يدل على أن
الصراع الخفى بين روسيا والصين الشيوعى فى موضوع التركستان الشرقية يدوم
إلى الآن وأن الثوار يتلقون ما يشجعهم من روسيا.
إن اذاعات بكين وأورمجى تستمر على الدعايات ضد الوطنيين التركستانيين ولم
ترسل حكومة الصين الشيوعى أى زائر اجنبى إلى التركستان الشرقية منذ سنتين
تقريبا على خلاف عادتها فى السنوات الماضية. فتدل الواقعتان على أن الثورة
تدوم فى تلك البلاد وأن الحالة فها ليست على ما يحبه الشيوعيون.
لقد انتشر نبأ فى صحيفة «تايمس» اللندنية فى عدديها الصادرين فى
2
و
4
سبتمبر، وفى إذاعة ب ب س ليلة
4
سبتمبر وفى صحيفة «مورننغ نيوز» الباكستانية فى عددها الصادر فى
25
سبتمبر أن صحف الصين الشيوعى ادعت أن قوات الصين قد أحرزت "فوزا عظيما"على
الثوار فى التركستان الشرقية، وعلقت المنابر المذكورة على هذا الادعاء
الصينى تعليقات طويلة خلاصتها ما يلى: هذا الادعاء الصينى ما هو إلا دعاية
كاذبة لا يقصد بها إلا إرهاب الأهالى وتغشيش الأخبار التى وصلت إلى الصين
الداخلى. والجدير بالذكر أن صحف الصين لم تذكر لذلك "الفوز العظيم" تاريخا
ولا مكانا، فهذا الادعاء يدل على أن الثورة فى التركستان الشرقية قد بلغت
إلى حد يقلق بال الصينيين، فإنه من المعلوم أن الصين الشيوعى قد نشر مثل
هذا الادعاء عدة مرات منذ سنة
1957م
فظهر كذبه فيما بعد.
وقد ثبت أن هذه التعليقات كانت صائبة بنبأ نشرت مجلة نيوزويكالأمريكية في
عددها الصادر يوم
21
سبتمبر وهذا نصه: لم يستطع الصين الأحمر إلى الآن التغلب على الوحدات
الثائرة في تركستان الشرقية، فإن دبلوماسيا شيوعيا يشتغل بوظيفة في أمريكا
قد صرح بأن الحروب الحاضرة في تركستان الشرقية قد انفجرت في شهر نيسان
الماضي حينما قمع الصينيون ثورة التبت وأنها مستمرة إلى الآن وأن الأخبار
الواردة تحكي أن واحدة من تلك الحرب قد أجبرت الصينيين لإرسال أكثر من
خمسين ألف جندي صيني إلى تلك الحرب الواحدة.
أما الأنباء الواصلة إلينا من منابع خصوصية فكما يلى
قد بلغ عدد الجاليات الصينية ساقتها حكومة الصين الشوعى إلى التركستان
الشرقية منذ سنة
1952م
إلى مليونى صينى أو أكثر، فأسكنها فى بيوت المسلمين ومزارعهم جبرا وفى
مناطق الحدود بين تلك البلاد وبين التركستان الغربية بعد أن طردت سكانها
المسلمين إلى الصحارى القاحلة حتى يموتوا جوعا.
كانت حكومة الصين الشيوعى بدأت فى العمل لمد السكك الحديدية من داخل الصين
إلى التركستان الشرقية منذ سنة
1953م،
فوصلت إلى بلدة ليان جو، وهى على منتصف الطريق المؤدية إلى حدود التركستان
الشرقية. وقد أخذت حكومة الصين الشيوعى تسوق ألفين من جاليات الصين يوميا
على القطارات إلى التركستان الشرقية.
إن الشيوعيين المحليين فى التركستان الشرقية وعلى رأسهم سيف الدين (وهو
شيوعى قديم، كان حاكما عاما وسكرتيرا أول للحزب الشيوعى في تلك البلاد) قد
ثاروا ضد الاستفزازات التى أوقعتها حكومة الصين الشيوعى على سكان البلاد من
تسليط الصينيين عليهم فى مساكنهم ومزارعهم ومعاملهم التى كانوا يكتسبون
بالعمل فيها قوت يومهم إلى غير ذلك من الاضطهادات التى تهدد حياة الشعب
التركستانى، وطالبوها يسحب الجاليات الصينية عن البلاد، وبالسماح
للتركستانيين بتأسيس دولة مستقلة. فعزلت جميعهم عن الوظائف العالية
واعتقلتهم ثم نفت أكثرهم إلى معتقلات الأسرى. و كان هذا فى شهر آغسطس من
سنة
1958م.
اذاع راديو بكين فى الليلة الحادية عشر من شهر تموز الماضى من السنة
الجارية أن عدد الأسرى الذين اعتقلوا فى معتقلات الأسرى الواقعة فى صحراء
سايدام وفى مقاطعة كوكنور قد بلغ إلى مائة وخمس وثمانين ألف أسير.
وتدل الأنباء الواردة أن ضحايا الإرهاب الصينى فى التركستان الشرقية فى
غضون هذه السنة يزداد عددهم يوما فيوما، ويقدر عددهم بأزيد من عشرة آلاف
مسلم.
|