مخاوف
الصين من الصحوة الإسلامية
في تركستان
الشرقية
بقلم: مادولكا
سيكا وجيمس ميلوورد
الله أكبر ..
الله أكبر نداء يتردد صداه في كل مكان. رجال يغطون رؤوسهم بأغطية رأس تتدلى
لحاهم البيضاء الصغيرة المهذبة على وجوههم ذات البشرية السميكة يتجهون
جميعًا لتلبية هذا النداء بحضور صلاة الجمعة في المسجد المحلي.
السوق الشعبي
ينشط بالحركة التجارية وتنبعث فيه رائحة الكباب الذي يمكن شراؤه حارًا من
فوق الفحم مباشرة، أما تجارالسجادة فيقفون شامخين بكل اعتزاز وفخر فوق
سجاجيدهم يقدمون الشاي وقطع الخبز في محاولة منهم لتسهيل عملية البيع
والشراء وهناك رجال كبار السن يبيعون نسخًا من القرآن الكريم كما يبيعون
صورًا للأراضي المقدسة لكل من مكة المكرمة والمدينة المنورة.
صحيح أن هذا
المنظر يعتبر شيئًا عاديًّا في آية دولة إسلامية لكن هنا في الصين وهي دولة
غير إسلامية بالتحديد ذلك أن من بين سكانها الذين يربو عددهم على البليون
نسمة نجد 16 مليونًا من المسلمين يتركز نصف في سنكيانغ -منطقة الأويغور
للحكم الذاتي الواقعة في المنطقة البرية في غرب الصين، والتي تبلغ مساحتها
2.5 مرة مثل حجم تكساس وتحوي أغنى الاحتياطات من المعادن الإستراتيجية،
وتعتبرها بكين واحدة من أكبر مشاكل الأقليات فيها بالضبط كما هو الحال
بالنسبة للقلق الذي تشعر به موسكو تجاه جمهورياتها الواقعة في آسيا الوسطى.
إن الشعب
الأمريكي لا يعرف عن شعب الأويغور شيئًا ولا عن سنكيانغ ، لكن بعضهم يعرف
شيئًا عن المواطن الأويغوري الشاب وواير كايكسي الذي شارك في 1989م في
الانتفاضة الديمقراطية للطلاب في بكين والذي واجه لي بنج على شاشات
التليفزيون الوطني الصيني ويعتبر من البارزين بين الطلبة الصينيين المنفيين
في الغرب.
لكن موقف
الطالب وواير كايكسي ليس هو السبب في أن سنكيانغ مهمة للصين وللغرب كذلك
إذا ما اطلعنا على المعلومات الخاصة بسكان هذه المنطقة وموقعها ومواردها.
إن هذه المنطقة
يمكن أن تكون ذات أهمية عظمى، فالجيولوجيون الصينيون يقولون أنها تضم أكثر
من 5.8 بليون برميل من النفط الخام، وأن حوض التاريم سوف يصبح المركز
الوطني الرئيسي في الصين لإنتاج البترول الغاز الطبيعي.
إن سنكيانغ
(تركستان) تتمتع أيضا بوجود احتياطات كبيرة من الذهب والبلاتين وخام الحديد
والنحاس طبقًا لمعلومات حكومة الصين كما أن المنطقة تحوي ثلث إجمالي
احتياطات الصين من الفحم.
أما صحراء
(تاكلاماكان) التي تغطي مساحة 120000 ميلًا مربعًا فيقع فيها موقع إجراء
تجارب الصواريخ النووي وهو أكبر موقع من هذا القبيل في العالم كله. ولقد
استمرت التجارب فوق سطح الأرض في هذا الموقع سبعة عشر عامًا بعد توقف كل من
السوفيت والأمريكان عن إجرائها فوق سطح الأرض في 1963م، ولا تزال التجارب
تجرى تحت الأرض في الموقع المذكور حتى اليوم وكانت آخر تجربة أجريت قد تمت
في أغسطس الماضي.
من الناحية
الإستراتيجية ربما تعتبر سنكيانغ (تركستان) أكثر مناطق الحكم الذاتي في
الصين حساسية، فهي تقع على حدود آسيا الوسطى السوفيتية شمالًا ومنغوليا
شرقًا وأفغانستان وباكستان غربًا والتيبت جنوبًا.
يلاحظ أنه
تتواجد قوة عسكرية يبلغ تعداد أفرادها 120000 جندي في منطقة (لانجو)
العسكرية التي تعتبر سنكيانغ (تركستان) جزءًا منها.
لكن وجود هذه
القوات ليس سببه الخطر الكامن وراء الحدود، إن هناك (العدو الداخلي) أيضا
على حد تعبير أستاذ في جامعة أوكلاند في روشستر ميتجان متخصص في شؤون الصين
الذي يضيف إن حج القوات الصينية هناك يعكس قلق بكين بشأن السكان في سنكيانغ
التي لا يمكن لها أن تثق فيهم.
من بين الـ 55
أقلية الموجودة في الصين تعيش 40 أقلية في سنكيانغ ، وأكبر الأقليات التي
تعيش هناك في الأويغور المسلمون وهم يتحدثون لغة أصلها تركي ويمثلون أكثر
من 40% من سكان سنكيانغ البالغ عددهم 15 مليونًا، أما بقية المسلمين فمنهم
القازاق والقيرغيز والأوزبيك وكلهم من أصل تركي، وهؤلاء بملامحهم القوقازية
وأعينهم ذات اللون البندق وشعرهم البني تربط بينهم وبين شعب الهان الذي
يزيد تعداده عن بليون نسمة في الصين أوجه شبه طفيفة للغاية، وأغلب هؤلاء
المسلمين يشتركون في صفات كثيرة مع إخوانهم من نفس الأصل العرقي الذي
يعيشون في آسيا الوسطى السوفيتية المجاورة بما في ذلك اشتراكهم معهم في
اللغة. وهناك قدر كبير من الاتصال بين سنكيانغ والاتحاد السوفيتي، وتعتبر
الأوقات الحالي في الصين أقوات عدم استقرار خاصة وأن الحكومة قلقة بشأن
الأقليات حيث إنها لا تثق فيها ولا تعرف ماذا تنوي هذه الأقليات أن تفعل.
لقد سبق إغلاق
المنطقة المحيطة بكاشغر تلك الواحة الأسطورية الواقعة على طريق تجارة
الحرير القديم سبق إغلاقها رسميًّا في وجه الأجانب منذ عام مضى بعد اندلاع
ثورة إسلامية في بارن التي تقع على بعد 22 ميلًا جنوب كاشغر. إن التفاصيل
المتاحة عما حدث قليلة للغاية لكن رفض بكين لإصدار تراخيص ببناء مسجد ترتب
عليه اندلاع اضطرابات قُتل فيها 22 شخصًا وقفًا للبيانات الرسمية في حين
توضح البيانات غير الرسمية أن عدد القتلى بلغ 60 شخصًا بسبب تداخل قوات
الأمن. وقد سمح في أواخر الصيف للأجانب بأن يدخلوا إلى هذه المنطقة مرة
أخرى.
ونتيجة
للانتفاضة تلك فإن الحكومة أعلنت في الخريف الماضي عن تطهير الحزب الشيوعي
المحلي بالتخلص من بعض الأعضاء فيها، وكذلك التخلص من بعض المسئولين
الحكوميين في بارن بسبب دورهم في التمرد، وتم فرض قيود دينية جديدة منها
حظر تشغيل المدارس القرآنية ومنع مناداة رجال الدين بشن الحرب المقدسة وحظر
التقاء هؤلاء الرجال بالأجانب.
إن المنطقة
ليست غريبة على التوترات بين فئات السكان المختلفة التي تسكنها، إن تاريخ
سنكيانغ مليء بقصص مقاومة حكم الهان (المجموعة العرقية التي تشكل القدر
الأعظم من الشعب الصيني ويزيد عددهم على بليون نسمة)، ولقد تم إخماد حركات
التمرد الإسلامية الكبرى في القرن التاسع عشر الواحدة تلو الأخرى.
وخلال ذروة
المظاهرات المنادية بالديمقراطية والتي اندلعت في ميدان تيان أن من وفي
1989م قام الآلاف من الأويغور باقتحام مكاتب الحكومة في أورومتشى عاصمة
سنكيانغ للاحتجاج ضد نشر كتاب في شنغهاي يورد بالتفصيل الممارسات الجنسية
للمسلمين بطريقة تسيء إليهم إساءة شديدة.
ويظهر أنه منذ
الثورة الثقافية التي استمرت خلال الفترة 1966-1976م أن بكين كانت تتعامل
مع القلاقل الإسلامية بحذر أكثر، حيث جرى محو المساجد من الوجود كما تم
إجبار كبار السن من المسلمين على أن يطوفوا الشوارع في شكل استعراض معلقين
حول رقابهم رؤوس الخنازير. لكن العقد الأخير شهد أسلوبًا خفيًّا اتبعته
السلطات المركسية حيث سمحت للأقليات بالزواج في سن أصغر وأعطيت حريات دينية
محدودة، وحتى العام الماضي كانت سياسة هذه الأقليات معفاة من سياسة طفل
واحد لكل أسرة وهي السياسة التي كانت تستهدف الحد من الزيادة في عدد
السكان.
وفي السنوات
الأخيرة تم السماء لمئات المسلمين من سنكيانغ بالحجة إلى مكة المكرمة، ولكن
هذا التخفيف من القيود قد زاد من حدة المشاعر القومية وهو الأمر الذي أرادت
الحكومة أن تتجنبه.
إن تطبيق سياسة
الأسرة المحدودة في عام 1989م على الأقليات (طفلين لكل زوجين في المناطق
الحضرية وثلاثة في المناطق الريفية) إضافة إلى تكبيل التعليم الديني أدى
إلى ظهور الاحتكاكات مرة أخرى.
يقول شاب متعلم
تعليمًا جيدًا من أبنا الأويغور: (في داخل الصين ليست هناك مساحة كافية
للسكان لكنا هنا في أراضينا لدينا المساحة الكافية. إن السياسة التي تطبقها
الحكومة الصينية تحاول تفادي زيادة عدد أبنا الأقليات عن عدد شعب الهان).
وفي الحقيقة
فإننا نجد أن سنكيانغ تملك المساحة الكافية، وهي لديها كذلك الشعور بأنها
منطقة حدودية، ففي القرون الماضية كانت هذه المنطقة تقع خارج نطاق أراضي
الصين، وكان طريق تجارة الحرير يمر إلى آسيا الوسطى عبر أراضيها. ولقد أدرك
حكام الصين الإمبراطورية المزايا الإستراتيجية والاقتصادية للمنطقة وغزوها
ثلاث مرات آخرها في القرن الثامن عشر أثناء عهد إمبراطورية شينج حينما كان
المانشو يحكمون الصين. لقد كان هؤلاء هم الذين أطلقوا على المنطقة اسم
سنكيانغ والتي تعني بالصينية (الأرض الجديدة المملوكة).
لكن تشديد قبضة
الهان هنا فعليًّا لم يحدث إلى أن أنها الانتصار الشيوعي في عام 1949م وجود
جمهورية تركستان الشرقية قصيرة العمر، التي أعلنت نفسها دولة مستقلة خلال
فترة الفوضى والاضطرابات التي سادت في فترة القيادة العسكرية للصين. وكما
حدث مع مناطق الأقليات الأخرى كالتيبت ومنغوليا الداخلة فقد منح سنكيانغ
وضع منطقة الحكم الذاتي في 1955م، لكن هذا الحكم الذاتي ما هو إلا حكم ذاتي
بالاسم فقط.
ولما كانت بكين
تخشى من القلاقل بعد قضائها على جمهورية تركستان الشرقية؛ فإنها قامت بنقل
الملايين من شعب الهان إلى سنكيانغ خلال الأيام الأولى للحكم الشيوعي في
الصين.
في الخمسينيات
كان الهان يمثلون أقل من 6% من تعداد السكان هناك واليوم فإن هذه النسبة
ارتفعت إلى 40% (80% منهم في مدينة كاشغر وحدها)، ويسود المنطقة شعور بعدم
الارتياح بسبب الضيوف الذين لا يلقوهن أي ترحيب هناك (الهان)، لقد مرت
أربعة عقود، لم تنته العداوة القائمة بين الهان والأويغور.
في الحديقة
الوطنية الواقعة في مدينة بينينج على بعد 35 ميلًا من الحدود السوفيتية
يوجد المنصب التذكاري لشهداء جمهورية تركستان الشرقية. فبعد أن ساعدوا في
الإطاحة بالوطنيين بقيادة جيانج كاي شيك، تمت دعوة الأويغور القازاق
والأوزبك الذين قادوا النضال من أجل الاستقلال إلى بكين لمناقشة مستقبل
سنكيانغ من الشيوعيين، إلا أنهم قُتلوا في حادث سقوط طائرة تحوط به الشكوك
اعتبره الكثيرون في سنكيانغ حادثًا مدبرًا بمعرفة ماوتسي تونج.
إن كوادر الحزب
الشيوعي هناك إما أنها من شعب الهان أو من أناس من جهات أخرى خلاف سنكيانغ
وهم ينظرون إلى أبناء هذه الأقليات بشك وريبة، وهذا الموقف من المواقف
الشائعة بين كادرات الحزب، ويقطن العديد من هؤلاء الحزبيين في أورومتشى
العاصمة الإقليمية (يبلغ تعداد سكانها 400000 نسمة)، للوهلة الأولى تظهر
المدينة في مظهر لا يختلف كثيرًا عن أي مدينة صينية صغيرة، شوارع واسعة
تتسم بالكآبة وقدر كبير من المباني الستالينية الضخمة، لكن بعض المباني
المبنية بالأسمنت المسلح مبنية الطراز المعماري الإسلامي، وتوجد نوافذ
إسلامية قوسية الشكل بجزئها العلوي، كما توجد منارات، وكل اللافتات مكتوبة
بلغة الماندرين والأويغور التي تستخدم حروفًا عربية معدلة.
وقد عادت
الحكومة إلى أسلوب الشعارات كما تفعل أيام ذروة الثورة الثقافية. إذ تجد في
كل مكان شعارات صغيرة متقنة ولكنها تلخص مدى أهمية قضية الأقليات.
إن النزعة
الانفصالية هي الخطر الرئيسي الذي يهدد الوطن الأم.
إن الأقليات لا
يمكن أن تنفصل عن شعب الهان كما أن شعب الهان لا يمكن أن ينفصل عن
الأقليات.
إن اللوم هناك
يوجه دائمًا إلى الأجانب الذين يخشى سكان سنكيانغ التحدث إليهم لئلا يكونوا
مراقين. كذلك فإن الحكومة ألقت باللوم على الجهات المهيجة الخارجية بسبب
المظاهرات التي اندلعت في بكين في 1989م. وقد تم منع دخول الصحفيين حتى
أواخر الصيف الماضي. والآن فإن الصحفيين يلقون الترحيب فقط حينما يكونوا
مصحوبين بمسؤولين حكوميين.
لكنا حينما
كسبنا ثقة الناس في سنكيانغ شعرنا بالنزعة القومية لديهم وبرفضهم لوجود
الهان.
ويقول أحد شباب
الأويغور: (إن الأويغور والقازاق والقيرغيز هم أصحاب سنكيانغ الحقيقيين. إن
وجودنا كجزء من الصين يجعلنا أقلية وهذا أمر له مردوده المدمر على التنمية.
ومن الأفضل لنا أن نكون مستقلين لأننا عندئذ سنكون أغلبية).
إن نسبة مئوية
كبيرة من سكان سنكيانغ تعيش تحت مستوى الكفاف (42.50 دولار كمعدل دخل للفرد
الواحد سنويًّا) ولا تزال هناك حاجة إلى أن يصل الازدهار الذي تشهده
المناطق الساحلية في الصين إلى المناطق الداخلية.
يقول طالب
أويغوري: (إن الصينيين يريدون أن يجعلوا مستوانا متدنيًا على الدوام لأنهم
يعرفون أنهم إذا ما أعطونا الفرصة؛ فإننا يمكن أن نقوي ونثير المتاعب كما
فعل وواير كايسكي). وأشار طالب آخر في جامع سنكيانغ إلى منع تداول عدد من
مجلة تايم نشر قصة وواير كايسكي داخل الحرم الجامعي، لكن رجلًا في أواسط
العمر قال ساخطًا: (إذا كان هؤلاء الآلاف الذين تظاهروا في بكين لم
يستطيعوا إحداث أي تغيير فكيف يمكن أن نُحدث هذا التغيير هنا).
ويقول
البروفيسور بنسون من جامعة أوكلاند: (إن رغبة أبناء سنكيانغ في السيطرة على
مقدراتهم مثلما تم في التيبت وفي بعض أجزاء الاتحاد السوفيتي لن يضيع هباء
خاصة بالنسبة لجيل الشاب الأصغر سنًّا، لكن يبدو أن تحقيق ذلك لن يكون في
متناول حركة قومية في وقت قريب.
مجلة
(المجتمع) الكويتية
1994م
(العدد 1061)
(مترجم من
(كريستيان ساينس مونيتور) الأمريكية) |