|
إقليم
سنكيانج الصيني في حالة غليان
بقلم: يازابيل
مالتور
تبلغ مساحة
إقليم سنكيانج الواقع في غرب الصين مليون و 650 ألف كيلو متر مربع، بينما
لا يزيد عدد سكانه على 13 مليون نسمة أي بمعدل 8 أفراد في الكيلو متر
المربع لشعب أويغور المسلم والباقي قبائل مسلمة من القازاق والقيرغيز
والمغول والطاجيك والتتار وحوالي 1% من الصينيين المسلمين من قبيلة (هوي).
وعاد اسم
سنكيانج إلى الواجهة في أكتوبر الماضي عندما أجرت الصين تجربة نووية أثارت
حفيظة الدول الغربية وقطعت اتفاقًا عالميًّا لوقف التجارب النووية. وترافق
ذلك مع بداية تحرك للأقلية المسلمة الكبيرة ومع حشد للقوات الصينية على
الحدود مع قازاقستان ومع أن إقليم سنكيانج تأخر في الدخول إلى مسيرة
الانفتاح الاقتصادي للصين فإنه سائر حتمًا على الطريق نفسه وهذا سيترك
بالتأكيد انعكاسات سياسية تطال مستقبل هذه المنطقة الواسعة الأرجاء.
وكانت الحكومة
الصينية قد فرضت نوعًا من الحصار على سنكيانج منذ قيام الحكم الشيوعي في
بكين سنة 1949. وظلت حالة العزلة هذه حتى العام الماضي تقريبًا. وما يقلق
الصينيين هو أن الإقليم الكبرى تموج فيه تحركات استقلالية لها لون إسلامي
بالدرجة الأولى.
ولكن هل خطر
الانفصال عن الصين أمر حقيقي أم أن سلطات بكين تضخمه عمدًا لأغراض دعائية؟
المؤكد أن أحداثًا خطيرة وقعت في الإقليم وفي 17 يوليو الماضي انفجرت قنبلة
كبيرة في فندق (الواحة) في مدينة كاشي (كاشغر) الواقع في شرق سنكيانج وأدت
إلى مصرع ثلاثة أشخاص. وقيل إن المسلمين من (الهوي) هم الذين دبروا
الانفجار.
إن سنكيانج أو
تركستان الصينية محاذية للهند وباكستان وأفغانستان ومنغوليا وقازاقستان
وقيرغيزستان وطاجيكستان، والسكان الأصليون هم من القبائل الطورانية التركية
المسلمة السنية من أبناء (أويغور) إلا أنه يوجد معهم تشكيل كبير من الأقوام
التي لها امتداد في الجمهوريات السوفيتية الآسيوية سابقًا فضلًا عن
الصينيين من الهان، وكان الهان لا يشكلون سنة 1950 سوى 10% من سكان تركستان
الصينية إلا أنهم اليوم 60% من مجموع السكان ولا شك في أن هذه الزيادة
الهائلة في نسبة الصينيين هي ثمرة جهود صينية استعمارية للسيطرة على أرض
ذات قيمة إستراتيجية عالية كما أنها مركز للتجارب الذرية الصينية وفي
باطنها ثروات معدنية تشتمل على القصدير والزنك والنفط والفحم الحجري والذهب
والنحاس والحديد والملح، فمن أصل 150 معدنًا تم إحصاءها في أرض الصين يوجد
120 معدنًا في أرض سنكيانج وهذا يفسر سبب الصراع بين أهل الإقليم والسلطات
المركزية في بكين، فالإقليم لا يتنعم بالثروات الموجودة فيه إلا بمقدار
ضئيل.
الحضارة
الإسلامية
رسميًّا لا
يوجد تمييز بين الأقليات العرقية أو الدينية في الصميم وأيام الأعياد
الإسلامية مثلًا هي أيام عطلة في سنكيانج للمسلمين، ولكن السلطات الصينية
لم تبد أي مرونة في مجال الهوية الثقافية للسكان حتى عندما يكون التعمير عن
الثقافة الإسلامية لا صلة بالسياسة، فهذا المستشار في التاريخ في جامعة
سنكيانج يتعرض للاضطهاد لأنه نشر كتابًا عن الحضارة الإسلامية مع أن هذا
الكتاب ينتقل من شخص لآخر من (تحت المعطف) أي شرًا في الإقليم. وفي 12
نوفمبر 1992 أشارت منظمة العفو الدولية في تقرير لها عن حقوق الإنسان في
الصين إلى انتهاكات خطيرة لهذه الحقوق في تركستان الصينية أو سنكيانج،
واستنادًا إلى شهادات محلية تقدم بها مسلمون فإن مدير إحدى المدارس تم
توقيفه سنة 1990 لأنه كتب رسالة إلى الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان في
سنكيانج ومن ذلك الوقت لم يعد يظهر له أثر.
ويتعرض
المسلمون أيضا إلى تمييز اقتصادي ولا يتجاوز نشاطهم الإنتاجي المجالات
التقليدية من رعي وزراعة وأشغال الحديد والأحذية والخشب والتجارة بالمفرق
ومعظم موظفي وعمال المؤسسات الحكومية وخاصة في (البتر وكيمياء) هم من
الصينيين الهان الذين لا يختلطون بالأقوام الأخرى.
ولكل قوم
مستشفياتهم ومطاعمهم وتجاراتهم. الهان يعيشون في بنايات كبيرة من الأسمنت
بينما تعيش الأقوام الأخرى في بيوت قديمة من طابق واحد. وحتى توقيت الساعة
ليس موحدًا إذ توجد (ساعة) لسنكيانغ وأخرى لبكين. والطريف أن الصينيين في
سنكيانج يعتمدون التوقيت الصيني. وكان العمل بتوقيت سنكيانج قد أعيد سنة
1987 وأعيد معه السماح باستخدام العربة التي يجرها أفراد بعد أن كان
السلطات رأيت فيه مظهرًا من مظاهر الإقطاعية، وبالمقابل فإن مسلمي الأويغور
لا يحبون ركوب الدرجات الهوائية وخاصة عند النساء إذ يرون فيها نقصًا في
الاحتشام.
حصر
الولادات
إن تاريخ
اضطهاد المسلمين في الصين قديم ويرجع إلى سنة 1873 في عهد أسرة كينغ ثم إلى
سنة 1933 فسنة 1945. وبعد إعلان جمهورية الصين الشعبية سنة 1949 قرر قادة
مسلمون التوجه بالطائرة إلى بكين للبحث مع قادتها في وضع تركستان الصينية.
ولكن الطائرة تحطمت أثناء رحلتها وتحوم شكوك حول دور للسلطات في الأمر.
وفي سنة 1962
اندلعت ثورة للمسلمين في مدينة إيلي بتشجيع من السوفيت وقررت بكين وضع حد
لنفوذ الروس في منطقة الحدود فاتخذت إجراءات قمعية ضد المسلمين وفر كثير
منهم إلى داخل الأراضي السوفيتية.
وليس المسلمون
أقلية في الصين فقط بل أصبحوا أقلية في أرضهم سنكيانج أيضًا. وقد شعروا
بمزيد من الاستياء عندما قررت السلطات سنة 1989 حصر الولادات بمعدل 3 أولاد
في الريف لأسرة الواحدة وولدين فقط للأسرة التي تعيش في المدينة وكل مخالف
تجبر صاحبها على دفع حوالي 500 دولار أمريكي وهم مبلغ خيالي بالنسبة
للسكان. ويرى الأويغور أن هذا الإجراء مخالف للإسلام وهو تعبير الشوفينية
القومية الصينية. وكثيرًا ما حدث مصادمات بين هؤلاء وبين موظفي تحديد النسل
الصينيين.
ومن دواعي
الاستياء الإسلامي ظهور خطر تلوث البيئة في سنكيانج جراء أشغال استخراج
المعادن وإجراء التجارب الذرية الصينية أيضا وذلك من إجراء أول تجربة في 16
أكتوبر 1964 في صحراء لوبنور الواقع شرقي تركستان الصينية. وقد تسببت هذه
العوامل في تزايد حالات سرطان الجلد وتشوه الولادات. وفي سنة 1985 نشر طلاب
المعهد البيولوجي في جامع سنكيانج نتائج أبحاث قاموا بها في منطقة لوبنور
وكانت نتائج التجارب النووية وتبع ذلك قمع شديد. وعقب ذلك أغلقت السلطات
الإقليم على الأجانب وأعلنت حالة الطوارئ فيه وتم توقيف ألو الأشخاص وأعدم
كثيرون دون أن تُعرف أسماؤهم.
إن جنوب
سنكيانج يغلي كبرميل بارود لأن الأويغور المسلمين أغلبية هناك ولا تزال
تقاليدهم على حالها. وتتلقى الحركة الإسلامية هناك دعمًا ماديًّا ومعنويًّا
من الدول الإسلامية وخاصة من باكستان وأفغانستان والسعودية. أما في الشمال
وخاصة في العاصمة يتعايشون مع باقي الأقوام وتصدر الجرائد باللغات الصينية
والأويغورية والمغولية والقازاقية ويقل في العاصمة تمسك المسلمين بتعاليم
الدين كما أن نسائهم سافرات الوجوه. ومع ذلك يصعب القول إن سيطرة الهان
مقبولة من المسلمين هناك. وفي سنة 1984 تظاهر المسلمون في مدينة (إيلي)
احتجاجًا على صدور كتاب مهين بحق الحضارة الإسلامية.
وتحتفظ سنكيانج
بروابط تاريخية وثقافية قوية مع جمهوريات آسيا الوسطى (السوفيتية) إلا أن
انشغال هذه الجمهوريات بنفسها حاليًا لا يسمح بقيام تضامن فعلي مع تركستان
الصينية. لقد انضمت الجمهوريات الآسيوية السوفيتية سابقًا في نوفمبر 1992
إلى اتفاقية التعاون الاقتصادي الموقع سنة 1985 والتي تضم تركيا وإيران
وباكستان.
وإذا سار هذا
التعاون قدمًا فإن إقليم سنكيانج لن يظل على الهامش لمدة طويلة لأنه كان
مرتبطًا بالمنطقة الإسلامية تجاريًّا وثقافيًّا لمدة طويلة وأن المد
الإسلامي لا يزال قويًّا. ولكن مسلمين سنكيانج يفتقرون إلى قيادة أو حزب
وذلك بسبب الرقابة الصينية وكثرة القواعد العسكرية الصينية. ومع أن بكين لا
تنوي تقديم أي تنازل في سنكيانج إلا أن الانفتاح الاقتصادي يضطرها لإعطاء
مزيد من صلاحيات الحكم الذاتي لهذا الإقليم. إن شبكة هاتف سنكيانج أصبحت
مرتبطة بالخطوط الدولية وأقيمت شبكة طرق معبدة وحديدية لربط الإقليم
بقزاقستان وأعيد تشغيل الخط الجوي بين العاصمة وأورومتشى ومدينة ألما آتا
في قازاقستان. هذه التطورات لابد أن تكون لها انعكاسات سياسية. ولكن إذا
تمزقت الصين ذات يوم إلى كيانات كثيرة فسيكون من السطحية اعتبار أن
المسلمين في الصين هم الذين تسببوا بذلك.
جريدة الوطن
(الكويتية)
10 ديسمبر
1993م
27 جمادى
الثانية 1414 هـ
(مترجم من (لوموند) الفرنسية) |