|
سياسة الصين
في تركستان
لقمع الدين
وتجفيف منابعه
بقلم: د. عبد
القادر طاش
تشير الدلائل
القادمة من منطقة تركستان الشرقية، أو ما يطلق عليها الصينيون منطقة
سنكيانج الأويغورية للحكم الذاتي: والتي تقع في الشمال الغربي من الصين،
إنها تشهد صيفا ساخنا مليئا بالأحداث الدامية. وقد بدأ تصاعد هذه الأحداث
تدريجيا مع بداية هذا العام الميلادي 1996م ، ولكنها تكثفت ووصلت إلى درجة
عالية من السخونة خلال الشهرين الماضيين.
ويبدوا أن هناك
علاقة وثيقة بين الحملة الضارية التي تشنها السلطات الصينية هذه الأيام على
من أسمتهم بـ «الانفصاليين » أو «الاستقلاليين» وبين نجاحها الكبير الذي
حققته في أوائل شهر إبريل «نيسان» الماضي عندما وقعت الصين اتفاقيتين
مهمتين أحداهما مع روسيا وثلاث جمهوريات سوفيتية سابقة هي وقازاقستان
وطاجيكستان وقيرغيزستان لترسيم الحدود بينها ومنع الصدمات الحدودية.
أما الاتفاقية
الأخرى فتمت بين الصين وكل من وقازاقستان وطاجيكستان وقيرغيزستان
وأوزبكستان وأطلق عليها «معاهدة مكافحة الأصولية» وتقول مصادر دبلوماسية
إنه تجري الآن مباحثات لإقناع تركمنستان- وهي خامس الجمهوريات السوفيتية
السابقة في آسيا الوسطى – بالانضمام إلى المعاهدة. كما أن الجمهوريات
الموقعة للاتفاقية تأمل في أن تنضم بلدان إسلامية أخرى إلى المعاهدة فيما
بعد. وتعد باكستان من المرشحين للانضمام إليها.
ومن الواضح أن
الصين كانت تهدف من وراء هاتين المعاهدتين إلى تحييد الدول المشاركة فيها،
وقطع الطريق أمام تعاطفها أو تغاضيها عن النشاطات أو حتى المشاعر المؤيدة
لمسلمي تركستان الشرقية في بلدانها، وبخاصة إذا ما عرفنا أن جميع
الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى تضم في أراضها جاليات أويغورية
(تركستانية شرقية) بنسب متفاوتة. كما أن التركيبة السكانية في تركستان
الشرقية تضم أيضا مواطنين ينتمون إلى الانتماء العرقي لتلك الجمهوريات
كالقازاق والطاجيك والأوزبك والقيرغيز وغيرهم.
وقد لمح وزير
الخارجية الصيني يان كيتشين إلى شيء من هذا عندما وصف الترتيبات العسكرية
والسياسة الجديدة لمكافحة «الأصولية» بـ «أنها مساهمة كبرى في تمتين
الاستقرار الإقليمي» وأكد للمراسلين الصحفيين أن الصين تعارض «الإرهاب
والنشاطات الانفصالية لبعض الأصوليين، نظرا لأن الكثير من المشاكل تنشأ عن
استخدام الدين لأغراض سياسية».
ويرى أحد
المعلقين السياسيين أن الصين حصلت تحت شعار «اتفاقية الحدود» مع روسيا
والجمهوريات الثلاث «على مباركة مطلقة من القازاق والقيرغيز والطاجيك
والأويغور القاطنين في أراضي الاتحاد السوفيتي السابق لاستمرار الهيمنة
الصينية المطلقة على أهلهم عبر الحدود، مع العلم أن الأيغور خاصة، الذي
يشكلون غالبة العناصر غير الصينية في سنكيانج، يواجهون سياسة توطينية
وتذويبية منظمة وقديمة من بكين تقضي بزرع مئات الألوف من الصينيين العرقيين
(الهان) في الإقليم الغني بالثروات الطبيعية»
أما شعار
«مكافحة الأصولية» فيقدم – في رأي المعلق السياسي - «التبرير الأيديولوجي –
الذي قد لا يكون صحيحا- والذي يشرع تلك الخطوة الإجرائية، على اعتبار أن
(الأصولية) هي المظلة التي يلجأ إليها القوميون الرافضون لـ (الوضع الراهن)
الصيني).»
التدين هو
المستهدف
والمتابع
للحملة الصينية المحمومة في تركستان الشرقية (سنكيانج) ضد من تسميهم
السلطات بـ (الانفصاليين) يدرك أنها تخفي وراءها أغراضا أخرى. فهي ليست
موجهة لمن تطلق عليهم هذا الوصف فحسب، بل هي حملة منظمة وواسعة النطاق
لمحاربة حركة التدين الإسلامي في صفوف الشعب التركستاني ومحاولة تجفيف
منابعها ومحاولة التصدي لما يخشى أن يكون صحوة دينية متنامية في دولة تحمل
شعار المبادئ الشيوعية، وتعمل على تكريس العقيدة الإلحادية.
وتدل التصريحات
الرسمية التي تنشرها وسائل الإعلام الصينية المحلية في سنكيانج على هذا
التوجه الأيديولوجي بكل وضوح. ففي التقرير الذي نشرته وكالة رويتر في
4/6/64 تقول الوكالة أن السلطات الصينية قامت بتوسيع نطاق حملته على من
أسمتهم بـ «الانفصاليين» وكذلك على ما تدعوه بـ «النشاطات الدينية غير
المشروعة في المدارس والجامعات». وضمن هذه الحملة فقد بلغ عدد الأشخاص
الذين تم اعتقالهم من التركستانيين منذ شهر إبريل الماضي وحتى تاريخ هذا
التقرير 2773 شخصا.
وقد صرح
المسئولون المحليون لتلفزيون سنكيانج بأن الحملة الحالية تستهدف «تطهير»
الجامعات والمدارس من «الانفصاليين» ومنع تسرب المبادئ الدينية وتأثرها
على الطلاب.
كما أن صحيفة
(سنكيانج ديلي) المحلية كما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية، تنقل عن بعض
المسئولين قولهم إن الماركسية تعتبر الدين «أفيون الشعوب» وبالتالي يجب ألا
يسمح للكوادر والأعضاء في الحزب الشيوعي المشاركة في النشاطات الدينية
وممارسة الشعائر، كما أن تدخلات الدين في الشؤون الاجتماعية السياسية يجب
أن تتوقف!.
وفي تقرير آخر
بثته وكالة رويتر طالبت كبرى الصحف الرسمية في الإقليم بوجوب (التحقيق فورا
مع أعضاء الحزب والمسئولين المتورطين في النشاطات الإرهابية ومعاقبتهم بكل
صراحة) وأضافت الصحيفة أنه يجب معاقبة أعضاء الحزب ومسئولي الحكومة الذين
يظهرون تدينهم. أو ممن شاركوا في إصدار كتب دينية، أو منتجات سمعية وبصرية
غير مشروعة عززت المطالبة بالاستقلال.
وفي أواخر شهر
مايو الماضي ذكرت وكالات الأنباء بأن السلطات الصينية المحلية في سنكيانج
شددت من القيود على المسلمين ومن قبضتها على المناطق الحدودية، وقال مسئول
في المنطقة إن «الأوامر صدرت لوحدات العمل بالاستعداد لدى أحداث غير
متوقعة»، وأضاف المسئول أنه صدر حظر على بناء المساجد الجديدة(!) وقال
مسئول آخر إن «البعض يستخدم الدين لممارسة نشاطات غير مشروعة» وكالمعتاد في
مثل هذه الحملات الجائرة أطلق المسئولون الصينيون الاتهامات جزافا على من
أسموهم بـ «الانفصاليين» بأن لهم صلات بالخارج، وأنهم يقاتلون لإقامة
جمهورية مستقلة في المنطقة!!.
ولفهم خلفيات
الحملة الصينية الحالية على المسلمين في تركستان الشرقية (سنكيانج) لا بد
من العودة من إلى فلسفة الحزب الشيوعي الصيني التي يطلقون عليها «النضال ضد
الدين» وتتخلص هذه الفلسفة في منح أصحاب المعتقدات الدينية حرية ممارسة
شعائرهم الدينية العادية، ومنعهم من ترويج دعايتهم الدينية وفي مقابل ذلك
لا بد من تأمين حرية الملحدين في نشر دعاياتهم الإلحادية، وبذلك يمكن أن
يتلاشى الدين بالتدريج كما يزعمون.
وتقول الدكتورة
فرانسواز أوبان – مديرة الأبحاث بمركز الدراسات الصينية في المدرسة العليا
للعلوم الاجتماعية في باريس – إن تاريخ النصوص القانونية التي تنظم
الممارسة الدينية يعود إلى عام 1982م والوثيقة الصادرة عن اللجنة المركزية
المعروفة بالوثيقة، رقم 19. وما ورد في هذه الوثيقة أن للإلحاد نفس
الحقوق والوظائف الممنوحة لكل دين دون أن يسمح بممارسة داخل أمكن العبادة
الرسمية، كما أن التربية الدينية ممنوعة للقاصرين الذين هم دون سن الثامنة
عشر. ويضاف إلى ذلك أن النشاطات الدينية محظورة خارج أماكن العبادة المصرح
بها وهذا يعين بوضوح أن الدعاية المضادة للدين يمكن ممارستها في كل مكان
باستثناء المعابد والأديرة والجوامع والكنائس، وفي حين أن التبشير الديني
ممكن فقط للراشدين، وداخل عدد من الأسوار والأبنية المحددة.
وفي ضوء هذه
الفلسفة جاءت التعليمات التي تستهدف تقييد حق الإنسان المتدين في ممارسة
شعائره الدينية وتحويل المبادئ التي تؤمن بها إلى سلوك علمي وليست مجرد
عنوان فارغ. يقدم لنا الباحث التركستاني توختي أخون أركين في دراسته
المنشورة في مجلة (المجتمع) 28/5/96 البرهان على هذا الأسلوب الماكر في
تجفيف منابع الدين في كتاب وضعه الحزب الشيوعي الصيني لولاية كاشغر في
تركستان الشرقية بالاتفاق مع الإدارة الدينية للأقليات، ويضم الكتاب دروسا
ومحاضرات ألقيت في ندوة ضمت 135 شخصية من مسئولي الأديان ورؤساء الإدارات
الدينية الحكومية والحزبيين ومدرسي الأديان وعقدت الندوة فيما بين 5، 9
سبتمبر (أيلول) 1994م.
الخطوط
الرئيسية
وقد وضعت
الندوة الخطوط الرئيسية لإنفاذ الحزب الشيوعي الصيني في محاربة الدين،
وبخاصة الدين الإسلامي، ومما ورد فيها:
- منع حلقات
حفظ القرآن الكريم وتعليم أحكام الدين في المساجد والمنازل، وأن يتم ذلك في
المعاهد الدينية الرسمية المحدودة تحت إشراف الحكومة.
- قصر التعليم
الديني على البالغين فقط وهم الذين تجاوزوا الثامنة عشر!.
- حظر ترميم
المساجد وإصلاحها أو بناء الجديد منها إلا بإذن رسمي.
- منع دخول
علماء الدين في الأحوال الشخصية مثل عقود الأنكحة والطلاق والميراث والجمع
الزكاة وصرفها.
تسخير المفاهيم
الدينية في ترويج النظام الشيوعي وتأييد ممارسات السلطات الصينية، ومنع
الإشارة إلى أي مفهوم ديني ينتقد الفكر الماركسي الماوي.
حظر اتصال
الهيئات الدينية ورجالها بالمؤسسات الإسلامية وشخصياتها خارج الصين، كما
يمنع تلقي المساعدات من الخارج بدون تصريح رسمي ومنع السماح لأي عالم أو
إمام أجنبي من إمامة المسلمين أو الخطابة فيهم.
حظر الإمامة
والخطابة والوعظ والإرشاد على غير الأئمة المسلمين.
وقد أكدت
القرارات الحكومية تطبيق هذه التعليمات التي تهدف إلى تضييق حركة التدين
وتجفيف منابعها حيث نشرت صحيفة (سنكيانج ديلي) الرسمية في 6 أغسطس (آب)
1994 م قانوناً سمي بـ قانون مراقة النشاط الديني " وهو يتكون من 22 مادة.
وقد صادق عليه
مؤتمر سنكيانج الشعبي ثم وضع موضع التنفيذ في بداية أكتوبر ( تشرين الأول )
من العام نفسه. ومما جاء في هذا القانون:
-
لا
يحق لأي كان أن يستغل الدين للأضرار بوحدة الأمة والشعب والاستقرار
الاشتراكي أو يهاجم سياسة تحديد النسل ونظام التعليم الحكومي الإلحادي .
-
يخضع
جميع رجال الدين من العلماء والأئمة لزعامة الحزب الشيوعي الصيني ويعلمون
بالنظام الاشتراكي .
-
تعمل
الهيئات الدينية على تنفيذ سياسات الحزب الشيوعي تجاه الدين .
-
لا
يسمح لأي هيئة أو شخصية دينية يفتح مدرسة أو فصل ديني إلا بعد موافقة مجلس
الوزراء .
-
لا
يمكن طبع ونسخ وتوزيع الكتب أو المنشورات أو التسجيلات الدينية بدون موافقة
السلطات الرسمية.
وفى العشرين من
يوليو ( تموز) 1995م أصدرت السلطات الصينية في مدينة خوتن تعليمات صارمة
لتقييد النشاطات الدينية في المدينة, ومنها :
-
منع
تدخل الأئمة وعلماء الدين في نظام التعليم الحكومي ( الإلحادي) وصرف الشباب
عن الانخراط فيه.
-
حظر
ممارسة الشباب للشعائر الدينية.
-
منع
استخدام مكبرات الصوت في المساجد. وكذلك منع استخدام التسجيلات الدينية في
أماكن الاجتماعات العامة .
-
منع
المنتمين إلى الحزب الشيوعي من ممارسة شعائر الدين من صلاة وصوم ونحوهما
ومعاقبة من يفعل ذلك .
إن هذه السياسة
المتطرفة في تقييد حرية التدين وممارسة الشعائر حظر التعليم الديني وعزل
المسلمين عن الاتصال بإخوانهم في الخارج, وبالمقابل إجبارهم على اعتناق
المبادئ الشيوعية وفرض التعليم الإلحادي في جميع المدارس, إن كل هذا لا
يمكن تفسيره إلا بأنه عمل منظم لاقتلاع بذور الدين وتجفيف منابع التدين في
مجتمع تدين غالبيته بالإسلام.
ومن المؤكد أن
هذه السياسة القمعية مهما بلغت من العنف والقسوة لن تستطيع تحقيق أهدافها
الخبيثة فالدين وبخاصة الدين الإسلامي متجذر في نفوس أتباعه ولا يمكن أن
يقتلع.
وقد جربت
الأنظمة الشيوعية وغيرها تحقيق ذلك ففشلت فشلا ذريعا. ولا ندرى لماذا أعيد
الصين الآن تجربة هذه السياسة التي فشل فيها غيرها , بل فشلت فيها الثورة
الثقافية التي قادها ماوتسى تونج في الستينات ولم تجن منها الصين سوى
الخسران وأصبحت أكثر الصفحات سوادا فى تاريخها القديم والحديث .
مساوئ سياسة
القمع
ولكن سياسة
القمع لابد أن تولد عنفا مضادا فى المقاومة والبحث عن الخلاص ومن هنا تختلط
المشاعر الدينية بالطموحات السياسية وتنتقل حركة المقاومة من بعدها الديني
المحدود إلى أبعاد أكثر خطورة على الطرفين .
إن ما يجرى
الآن فى منطقة سنكيانج ( تركستان الشرقية ) أمر خطير ينذر بانبثاق جرح جديد
لا قبل للآمة الإسلامية بآثاره الحاضرة والمستقبلية.
ولا تزال
الأحداث فى بدايتها فهل تتحرك الدول والحكومات الإسلامية الصديقة للصين
لاحتواء الأزمة ؟ وهل تستثمر علاقاتها مع الصين لنصحها لكي تخفف من ضغوطها
على المسلمين في تركستان الشرقية (سنكيانج) وتبحث عن صيغة ملائمة وعادلة
للتعامل معهم قبل أن تستفتح الأمور وتصل إلى طريق اللاعودة؟ وهل تتحرك
المنظمات والهيئات الإسلامية، وكمنظمة المؤتمر الإسلامي ورابطة العالم
الإسلامي ومثيلاها لتقول كلمتها نتنصر إخوانا بالتعريف بما يعانون منه
ومساعدتهم على تلمس الطريق الصحيح وحشد التأييد لهم في ما يحقق مصالحهم وهل
يمكنها أن تمارس نوعا من الضغوط العاقلة على الصين لإعادة النظر في سياستها
القمعية الجائرة ضد المسلمين؟.
جريدة «
الشرق الأوسط».
1996م |