|
تململ في
كاليفورنيا الصين
بقلم: أمير
طاهري
بناة
الإمبراطورية البريطانية الأوائل أسموها (آسيا السرية) وأطلق عليها
الصينيون لفترة مديدة اسم (الغرب الأقصى) أما الروس فأسموها بـ (خلف الما
وراء) أما باللغات الفارسية والتركية فتعرف باسم (تركستان).
وبالطبع فإننا
نتحدث عن سنكيانج، وهي رقعة شاسعة من الصين الغربية تجثم بين فكي منغوليا
وآسيا الوسطى، وهذه الأرض المنسية التي يقبع فيها ثلث المسلمين تقريبا تحت
الحكم الصيني، ورقعة محرمة على الأجانب من خمسة عقود، أما في الأسابيع
الأخيرة، على أي حال، فقد فرضت قيود إضافية على السفر إلى سنكيانج تشمل
حتى الفنيين والمديرين التنفيذيين الأجانب ممن يعملون في المؤسسات
الحكومية.
في الوقت ذاته
أصبحت سنكيانج موئلا مفضلا للزيارات الرسمية التي يقوم بها كبار المسئولين
العسكريين والمدنيين من بكين، الواقع أن كل من له شأن في بكين لابد أن يكون
قد توجه الأسابيع القليلة الماضية إلى أورومتشي وكاشغر، أكبر مدينتين في
المنطقة، وكان بين الزوار الرئيس جيانج زيمين، ورئيس الوزراء لي ينج، ورئيس
أركان القوات المسلحة (المارشال قواكوان يو).
كما دأبت وسائل
الإعلام الصينية في الوقت ذاته على إيراد إشارات غريبة عن (الحاجة إلى حفظ
الأمن والاستقرار في سنكيانج)، ونشرت صحف بكين تقارير عديدة تشير إلى
«عصابات واضطرابات » في المقاطعة النائية، وفي وقت مبكر من العام الحالي،
وقعت الصين، حلفا مع روسيا وقازاقستان وقيرغيزستان وطاجيكستان من أجل
التصدي «للإرهابيين ورجال العصابات والأصوليين المسلحين».
أعقب ذلك نشر
لا سابق له لقوات الأمن الصينية على طول حدود سنكيانج الطولية الممتدة
إلى الشمال والشرق.
وخلال الصيف،
شن الأمين العام للحزب الشيوعي في سنكيانغ، وانج لي كوان، حملة واسعة ضد ما
أسماه «الأرضية المفرخة للإرهاب» فأغلق أكثر من 600مدرسة لتعليما لقرآن
خلال ثلاثة أسابيع، كما أغلق نحو 200 (جامع غير مرخص) وراحت شرطته السرية
تصادر عشرات الآلاف من الكتب وأشرطة الفيديو والكاسيت التي يزعم أنها
تحتوي (أدبا تخريبيا).
ولم تتوقف
الحملة عند ذلك. فبموافقة من بكين، طرد نحو 400 موظف يشتبه بأنهم يحملون
(ميولا خطيرة) وبل عدد المعتقلين بتهم ممارسة (نشاطات مضادة للدولة) بنحو
15 ألفا، رغم أن عدد الباقين منهم رهن الاعتقال حتى الآن غير معروف على وجه
الدقة، وذهل أحد زوار كاشغر مؤخرا من ضخامة القوات العسكرية الصينية التي
نشرت حول جامع عيد جاه خلال صلاة الجمعة، فقد أحيط هذا الجامع المتواضع
بقوات خاصة مسلحة تسليحا ثقيلا في سيارات مصفحة، تحوم فوقها طائرات
الهليكوبتر الهجومية.
إذن، ما الذي
يجري في (الغرب الأقصى) من الصين؟ ذا هو السؤال الذي سيحتل مركز اهتمام
ندوة دراسية هذا الأسبوع في إسطنبول بمشاركة خبراء من درزينة من البلدان،
جاءوا في مسعى لحل اللغز بلملمة أجزائه المبعثرة ووصلها حتى تستبين الصورة.
لقد كانت
سنكيانج ذات يوم أرضا نائية لا تعد بالكثير، أما اليوم فإنها تبدو بمثابة
كاليفورنيا الصين وأن (حمى الذهب ) في كاليفورنيا، اتخذت في سنكيانج صورة
نمو مذهل لصناعة النفط والغاز، ويعتقد أن المنطقة تتوفر إلى أغنى موارد
الطاقة على البر في العالم، كما أنها تحوي أكبر مستودع منفرد لليورانيوم في
آسيا. وكما يعرف أي قارئ للأدب الفارسي، أن سنكيانج تتفاخر بكثرة مكامن
الذهب والأحجار الكريمة. زد على هذا أن تقنيات الزراعية الحديثة يمكن أن
تسمح للسهول الشاسعة الخصبة في المنطقة بأن تتحول إلى مصدر غني للثروة
للصين وآسيا الوسطى، كما أن سنكيانج هي موطن جل الصناعة النووية العسكرية
الصينية، بتعبير آخر إن قيمة سنكيانج كعقار صرف قد زادت زيادة مذهلة من
ناحية توازن القوى الكوني.
لكن المشكلة
العصيبة بالنسبة إلى بكين أن غالبية سكان سنكيانج هم من المسلمين الناطقين
بمزيج من اللهجات التركية، مثل الأويغور، ويعتبرون الصين قوة استعمارية
تحتل وطنهم، وحتى مطلع الستينات كان الأتراك المسلمون يشكلون نحو 95% من
سكان المنطقة، ولكن منذ ذلك الحين انتهجت الصين سياسة استيطان مقصودة
بتشجيع، بل حتى بإرغام، عناصر من قومية الهان للارتحال إلى هذه البقعة
النائية والاستقرار فيها.
واليوم يشكل
الهان نحو 45% من السكان.
كم يبلغ عدد
المسلمين في سنكيانج؟ لا أحد يعلم علم اليقين، فمثل هذه الإحصائيات، عند
بكين في عداد الأسرار الكبرى، وإن كان العدد الإجمالي للمسلمين في الصين
يقدر بما بين 15 إلى 50 مليون نسمة. نصف هؤلاء من قومية الهان، ممن
اعتنقوا الإسلام، ولابد أنهم يعتبرون «صينيين كاملين» فيما عدا معتقدهم
الديني، وبالطبع فإن الهان المسلمين لا يشعرون بأي غربة في الصين، رغم
حقيقة تعرضهم للاضطهاد والمضايقة بسبب معتقدهم. أما حالة مسلمي منطقة
سنكيانج فمختلفة، فليس لهؤلاء أي شيء مشترك مع الصين والصينيين، لا لغة ولا
دينا، «أنظارهم التاريخية» توجهت دوما صوب الشمال والغرب، بعيدا عن الصين
ويحاول الأدب الصيني الرسمي بالطبع أن «يثبت» أن سنكيانج كانت «دوما» جزءا
لا يتجزأ من الصين، كما لو أن كلمة (دوما) أي معنى حقيقي في التاريخ، ولكن
حتى لو افترضنا أن الحال كان هكذا حقا، فإن الواقع يؤكد أن هناك كثرة من
المؤشرات التي تبين أن قطاعا من سكان سنكيانج على الأقل غير السعداء بالوضع
الراهن للأمور.
هل يرجع هذا
الشعور بالتعاسة إلى شغف مفاجئ بـ (الأصولية)؟ أم أنه نتيجة مؤامرة حاكتها
قوى غريبة معينة) لتمزيق أوصال الصين؟ أم أننا نشهد حركة انفصالية قوية
ترتكز على العرق والقومية لا إلى الدين؟
الجواب الصحيح
عن كل هذه الأسئلة: لا نعرف جلية الأمر الواقع لا أحد يعرف جليلة الأمر
حقا، ومرد ذلك أن المنطقة مغلقة، والمعلومات عنها تعامل معاملة الأسرار
النووية، المعطيات التي تفرها مختلف جماعات المعارضة في المنفى، بما في ذلك
الجبهة الوطنية لتحرير أويغور، التي لها مقر في ألما آتا (عاصمة
وقازاقستان) مفيدة نوعا ما، ولكنها تستوجب الحذر المعتاد مؤسسة تركستان
الشرقية، ومقرها اسطنبول، هي مصدر معلومات أكاديمية أغنى ولكن حتى هذه
المؤسسة لا تستطيع الادعاء بأنها مطلعة اطلاعا كاملا على أرض تحيطها الصين
بسور سياسي عازل، ومن المفترض ألا يعمد المشاركون في ندوات اسطنبول إلى
تسليط الأضواء على ما يبدو بمثابة وضع متفجر في قلب آسيا.
إن توتر أعصاب
بكين إزاء التململ في سنكيانغ أمر مفهوم. لقد شهد قادة الصين كيف أن
الإمبراطورية السوفيتية، التي كانوا يخشوها خشية كبيرة، تهاوت مثل كومة
أرواق اللعب، وأن الأدب الرسمي الصيني يعزف على وتر أن تفكك الاتحاد
السوفيتي أن نتيجة (مؤامرة دولية) كبرى محبكة بعناية على الولايات المتحدة
في عهدي رونالد ريجان وجورج بوش.
وعليه بينما
تتهيأ بكين لاستعادة هونج كونج ومكاو من قوتين استعماريتين أوربيتين، فإنها
لا يمكن أن تطيق فكرة انفصال مناطق أكبر من هاتين لقد خيم التوتر على التبت
طوال الأربعين عاما الماضية، في حين أن منغوليا الداخلية ومنشوريا، وإن
كانتا موطني غالبية قومية الهان ما تزال تتمسك بأحلام الاستقلال، وإذا ما
انفصلت سنكيانج، فإن التبت ومنغوليا الداخلية ومنشوريا ستنفصل أيضا، هذا
الأمر يرعب بكين التي تتطلع أصلا إلى توسيع إمبراطوريتها بإلحاق تايوان.
ومن مفارقات
الأمور أن بكين نفسا تسهم على غير دراية في زيادة المشاكل في سنكيانج لأنها
تعالج المظالم المشروعة للناس هناك باعتبارها تآمرًا أجنبيا.
إليكم مقتبسا
من ماوتسي تونج: «إن العلاقة بين العوامل الخارجية والعوامل الداخلية، تشبه
علاقة الحرارة المسلطة على بيضة، فإن جاءت الحرارة على بيضة حقيقة خرج منها
فرخ صغير، وإذا سلطت على قطعة حجر، فلن يخرج منها شيء»! أمعنوا التفكير لعل
ماو سرق هذه المقولة من كونفوشيوس. ثم ماذا؟ إن فحواها هو المهم في الأمر.
جريدة
الشرق الأوسط
22
أكتوبر 1996م. |