|
الصين: عودة
إلى الاضطرابات العرقية
بقلم: عادل
محمد حسن
عادت بداية
الأسبوع الماضي الاضطرابات العرقية فى إقليم سنكيانج شمال غرب الصين الذى
يسكنه القازاق والأويغور والقيرغيز من ذوى الديانة الإسلامية، وذلك اقترانا
بمطالبة جمهرة من المتظاهرين بإطلاق سراح السجناء السياسيين فى مناسبة
الاحتفال بحلول عيد الفطر المبارك. يبلغ نفوس هذه الجالية ذات الأصول
التركية ما يزيد على 50 مليون نسمة، وهم امتداد للشعوب القاطنة فى جمهوريتي
قازاقستان وقيرغيزستان فى آسيا الوسطى، وتتميز هذه الجالية بلغتها وثقافتها
وديانتها عن قومية الهان الصينية التى تشكل حوالي 85 فى المائة من تركيبة
الشعب الصيني .
بعد انتصار
الثورة الصينية عام 1949 ، استبشرت هذه الأقليات بدعوات سياسية حول إزالة
التمييز والظلم الذى سلط عليها فى أثناء العهود السابقة، والإعلان عن برامج
لحل مشاكل الأقليات العرقية. وعاشت هذه الأقليات فترة استقرار نسبى خلال
عقد من الزمن. وقامت الحكومة آنذاك بإقامة كيان سياسي لهم سمى بـ (جمهورية
تركستان الشرقية). لكن ما لبث أن جرى تحول فى سياسة الحكومة الصينية تمثل
فى انتعاش تيار قومي متشدد فى القيادة الصينية يرمى إلى صهر الأقليات
بالعرق المهيمن فى الصين، أي عرق الهان. وتراجعت الحكومة الصينية عن
إجراءاتها المتمثلة باحترام خصوصية هؤلاء الأقوام وحلت جمهورية تركستان
الشرقية. ولم تعد الأقليات العرقية تتمتع بحق الإدارة الذاتية على شؤونها
على غرار ما هو موجود فى أرجاء أخرى من الصين. لذلك انفجرت الاضطرابات فى
التبت فى عام 1958 ، ثم تلتها الاضطرابات فى إقليم سنكيانج الذى تقطنه
أكثرية صينية مسلمة. ومع تأزم العلاقات مع الاتحاد السوفيتي فى مطلع
الستينيات وبذريعة أن لهذه الأقليات امتداد فى الجمهورتين السوفيتين
السابقتين قازاقستان وقرغيزيا، أصبحت مشكلة هذه الأقاليم جزءا من الصراع
بين الدولتين، واشتد الضغط عليها مما أدى إلى لجوء بضعة ملايين منهم إلى
الاتحاد السوفيتي فى منتصف الستينيات .
وإثر إعلان
ماوتسى تونغ ثورته الثقافية والقضاء على " التقاليد البالية" اشتد التأزم
بصورة أكثر درامية فى هذا الإقليم شأن ما جرى فى كل أنحاء الصين .
وما زاد الطين
بلة أن إقليم سنكيانج غنى فى ثرواته الطبيعية واحتمالات وجود مكامن نفطية
فى باطن الأرض. إلا أن الوضع الاقتصادي فى الإقليم اتسم بالركود ولم تشمله
موجة الإصلاحات الاقتصادية التى طرأت على العديد من الأقاليم الصينية
الشرقية والجنوبية. كما أنه أضحى مركزا للتجارب الصينية النووية، واحتل
موقعا مهما فى الإستراتيجية الصينية، كونه أيضا يقع على الحدود الشمالية
الغربية الحساسة. وهذا ما حدا بالحكومة الصينية اتباع سياسة التغيير
الديمغرافى (السكاني) للمنطقة عن طريق إسكان أعداد واسعة من الصينيين
المنحدرين من عرق الهان فى مناطق القازاق والأويغور لغرض فرض هيمنتها على
المنطقة. والنتيجة فى مثل هذه الحالات هو أمر وحيد، أي تحول المنطقة قنبلة
موقوتة وبؤرة للنزعات العرقية والتوتر والصدامات المستمرة .
إن موقع هذا
الإقليم على جوار جمهوريات إسلامية فتية وتأثرها بنزعات مشابهة مثل النزاع
فى أفغانستان أو الشيشان على سبيل لا الحصر، يجعل هذا الإقليم عرضة لتنامي
مشاعر البحث عن الهوية القومية والدينية إلى حد المطالبة بإقامة كيان
مستقل. أو التطرف وحمل السلاح أحيانا. وهذا يفسر شدة الصدام الذى اندلع فى
مدينة ينينغ الحدودية ثم امتد إلى مدن الإقليم الأخرى عشية حلول عيد الفطر
المبارك حين سقط العديد من القتلى والجرحى. ويعتبر هذا الصدام الأخطر فى
المنطقة منذ اضطرابات عام 1990 التى قمعتها الحكومة الصينية بحشد عشرات
الآلاف من أفراد الجيش الصيني .
إن لجوء
الحكومة الصينية إلى القمع البوليسي وإعادة البناء الديمغرافى بالقوة
المسلحة لا يحل مشكلة القيادة الصينية التى تخشى من تفكك دولتها على غرار
ما حدث وما يحدث فى الاتحاد السوفيتي السابق أو يوغسلافيا. ولا يسعف
القيادة الصينية اتهام "القوى الأجنبية المعادية" أو "العناصر الأصولية"
بكونها تقف وراء هذه الاضطرابات وتشجعها .
إن مثل هذه
الاضطرابات تعكس العداء الشامل لأهالي الإقليم ضد سياسة "القبضة الحديد"
التى شنتها السلطات الصينية فى العام الماضي وهو يعكس عدم قدرة القيادة
الصينية على حل معقول للقضية القومية فى بلادها .
إن الأويغور
والقازاق والتبتيين والمغول فى منغوليا الداخلية الذين يقطنون فى المناطق
الحدودية الشمالية الغربية يعانون من سياسة الهجرة الواسعة للمنحدرين من
قومية الهان إلى مناطقهم ما يجعلهم يشعرون أنهم غرباء فى وطنهم. وإذا ما
استمر نهج الحكومة الصينية فى عدم الإصغاء لإرادة شعب الإقليم والحوار مع
الجبهة القومية الثورية المتحدة لتركستان الشرقية و"التوسل بالمجابهة فحسب"
فإنة بالتأكيد سيؤدى إلى تحول القضية إلى مشكلة إقليمية ثم تكرار ما حصل فى
بلدان مجاورة من تفكك. وربما سيأتي يوم ترى فيه الحكومة الصينية أن حدودها
قد تغيرت وعلى رغم إرادتها .
جريدة
"الحياة" .
19 فبراير
1997م .
12 شوال
1417هـ
. |