|
الوضع
الراهن... سيد الأحكام
بقلم: إياد أبو
شقرا
عندما تضع
الدول الكبرى «سيناريو» لأصول المواجهات السياسية في العالم يطيع الصغار
قورا بللاا استفسار، وعندما قررت عواصم القرار الدولي أن مصطلح «الأصولية»
صار المرمى الواجب التسديد عليه، تحولت الكلمة إلى مصطلح دارج يردده كثيرون
كالببغاوات من دون حتى محاولة فهمه، والأخطر من ذلك أنه نشأت حالة
«استقطاب» شبه متعمدة، دفع فيها كثيرون دفعا نحو التحالف تكتيكا مع ما يسمى
بـ (المعسكر الأصولي) على اعتبار أن معسكر كهذا يصلح «مظلة» لكل معارض
النظام العالم الجديد، والأمر الجدير بالدارسة حقا هو معيار الربح
والخسارة وراء قبول معارضي هذا النظام الجديد التجمع في جبهة واحدة، ومدى
قدرتهم على تقديم جبهة كذه بواجهات أيديولوجية غير «أصولية».
في حقبة
الستينيات والسبعينيات مثلا، وجد الاشتراكيون والأوربيون صعوبة كبرى في
التخلص من تهمة «الشيوعية» التي ألصقتها بهم الأحزاب المحافظة والديمقراطية
المسيحية، وقبلهم-خلال الخمسينيات- وجد اللبراليون الأمريكيون وأنفسهم في
قفص الاتهام تحت وطأة الهجمة الماركثية، واليوم نلاحظ أن الحركات القومية
في آسيا وأفريقيا تصبح عرضة لتهمة «الأصولية» إذا فكرت التعاون ولو تكتيكيا
من تنظيمات أصولية.
ما فعلته
السلطات الصينية في الأسبوع الماضي منهم جدا على صعيد السياسية الدولية
والطريف أن بكين التي يعدها نفر من المراقبين «منارة» التحدي الوحيدة
للنظام العالمي الجديد، تتصرف الآن بطريقتها الخاصة كشريك فيه.
فمن ناحية أدى
التفاهم الحار مع الرئيس الروسي بوريس يلتسين، وخاصة توقيته في خضم حملة
انتخابات الرئاسة الروسية، ليعزز موقع يلتسين السياسي على الرغم من أن
بين تدرك مدى أهميته ولواشطن، وتفهم أن يلتسين لم يدر ظهره لواشطن في
المرحلة التالية على الأقل، وهكذا يمكن القول إن القيادة الصينية أعلنت
عمليا عن أن مصالحها «الوطنية» الخاصة، لا طموحاتها الدولية، تحتل المرتبة
الأولى في قائمة أولوياتها السياسية، وما قدمه يلتسين للصين في الأسبوع
الماضي، هو حقا خدمة ثمينة جدا، إذا حلب معه «رجال موسكو» وواشنطن أيضا من
رؤساء جمهوريات آسيا الوسطى (السوفياتية سابقا) ووقع وإياهم مع القيادة
الصينية اتفاقية ذات شقين: إجرائي وأيديولوجي تثبت ديمومة حدود إقليم
سينكيانج (أو تركستان الشرقية).
فتحت العنوان
البرئ لـ «اتفاقية الحدود» حصلت الصين على مباركة مطلقة القازاق والقيرغيز
والتاجيك والأيغور القاطنين في أراضي الاتحاد السوفياتي السابق لاستمرار
الهيمنة الصينية المطلقة على أهلهم عبر الحدود، مع العلم أن الأيغور خاصة،
الذين يشكلون غالبية العناصر غير الصينية في سينكيانج، يواجهون سياسة
توطينية وتذويبية قديمة من بكين تقضي بزرع مئات الألوف من الصينيين
العرقييين (الهان) في الإقليم الغني بالثروات الطبيعية.
أما شعار
«مكافحة الأصولية» فيقدم التبرير الأيديولوجي – الذي قد لا يكون صحيحا-
الذي يشرع تلك الخطة الإجرائية، على اعتبار أن «الأصولية » هي المظلة التي
يلجأ إليها القوميون الرافضون لـ «الوضع الراهن» الصيني.
جريدة الشرق
الأوسط
2مايو 1996م |