|
أين الحديث
عن الضلع الشرقي
لآسيا الوسطى
بقلم: جعفر
رائد
تشمل آسيا
الوسطى حسب المصطلح عليه لدى أهل الجغرافيا أو المتخصصين في علم البلدان
بتعبير آخر، تشمل الأقطار التي تحدها شمالًا سيبيريا وبحر الخزر (قزوين)
ومنغوليا، وغربًا البحر الأسود، وروسيا السلافية، وشرقًا الصين، وجنوبًا
إيران وأفغانستان والتيبت وكشمير وباكستان.
وقد اقتسمت
الدولتان الشيوعيتان الكبيرتان الصين وروسيا تلك الأقاليم بينهما، فاستولت
الصين على الضلع الشرقي منها واغتصبت روسيا الضلع الغربي، ولم تكن معاملة
أي منها واغتصبت روسيا الضلع الغربي، ولم تكن معاملة أي من الدولتين
الشيوعيتين لسكان تلك المناطق المسلمة أحسن من معاملة الأخرى لهم.
وها هي الشعوب
الإسلامية التي كانت ترزح تحت نير الشيوعية السوفيتية تحكم أغلالها الواحدة
بعد الأخرى، ثم هي تنضم بكامل حرييتها إلى تجمعات إسلامية وتكتلات إقليمية
ودولية، ولكن أولئك السلمين الذين لا يزالون يقاسون الأمرين من استبداد
الشيوعية الصينية يكاد لا يذكرهم أحد ولا يجري حديثهم على أي لسان ولا في
أي اجتماع.
وكان قد التأم
جمع قادة تلك الجمهوريات الإسلامية الست الحديثة الاستقلال بالإضافة إلى
زعماء إيران وباكستان وتركيا في طهران مؤخرا بمناسبة انعقاد قمة منظمة
التعاون الاقتصادي، وصدر بيان بهذه المناسبة وفيه إشارة إلى قضيتي كشمير
وقبرص ومواضيع أخرى، ولكن الحالة البائسة لشعب تركستان في الصين لم تحظ في
البيان الختامي ولا بأبسط إشارة، وهذا يدعو إلى العجب، حيث إن إخوانهم في
الضلع الغربي من آسيا الوسطى الذين يجمعهم وإياهم ماض واحد كما يشاركونهم
نفس اللغة والثقافة والدين والتقاليد كانوا ممثلين في طهران على أعلى
المستويات، وكان من الطبيعي أن يتذكروا بني جلدتهم الذين لا يزالون يعانون
اليوم من العنت والعذاب والضغوط ذاتها التي كانوا هم أنفسهم يتجرعونها
بالأمس.
ربما لا تسمح
بعض المحاذير والمجاملات الدولية، في هذه الظروف الحساسة بالذات -بالتطرق
إلى مسألة شائكة مثل أحوال المسلمين التركستانيين في الصين، لا تسمح
بالتطرق إليها في بيان رسمي يصدر من قمة إقليمية، ولكن الإيماءة إلى
المسشكلة في حديث صحفي ولو جاءت بطريقة عرضية ومن باب التمني، لم تكن لتثير
حرجًا لأحد، وفي المقابل كانت تحيي الآمال في قلوب إخوة لهم أعزاء وعلى
مقربة قاب قوسين أو أدنى منهم، بأنهم لا يزالون شيئًا مذكورًا ولم يصبحوا
نسيًا منسيًا، وإن الفرج قريب بإذن الله، سيأتيهم حتمًا بحول الله كما نزل
على إخوتهم في الغرب، حتى الصحافة الإيرانية التي انعقدت هذه القمة بين
ظهرانيها فهللت لها وكبرت كما رحبت بمشروعين آخرين أحدهما إنشاء تشكيل
إقليمي باسم (منظمة اللغة الفارسية)، من إيران وتاجيكستان والمجاهدين
آلافغان وهي ذات طابع ثقافي بهدف المزيد من التقارب بين البدلان التي تتحدث
اللغة الفارسية، والمشروع الثاني: منظمة تعاون الدولة المطلة على بحر خزر
(قزوين) وتتكون من إيران وآذربيجان، وتركمنستان، وقزاقستان وروسيا، وستكون
طهران مقار للأمانتين العامتين للمنظمتين آنفتي الذكر، أجل حتى الصحافة
الإيرانية لم تشأ أن تشير ولو من طرف خفي إلى سوء الأحوال في تركستان
الصين، ولم تحول أن تنتهز تلك الفرص الفريدة التي تزاحمت في طهران في آن
واحد لتحيي إخواننا المسلمين الأبطال الصامدين في وجه البقية من الجبروت
الشيوعي في العالم.
ومن المستبعد
جدا أن يكون النسيان هو السبب الحقيقي في إهمال مثل تلك القضية المصيرية،
ويدبو أن الصين الشيوعية مدللة لعدة أسباب لدى مجموعة من الدول الإسلامية
مما يدفعها إلى تجنب التحرش بها.
ومن البديهي،
أن كل ذلك لا يمنعنا نحن من التحدث عن محنة (تركستان الصينية) ذات الراث
الإسلامي الثري والأمجاد التاريخية في بناء صرح الحضارة الإسلامية وفي
الدفاع عن شرفها ودينها وحريتها.
لقد احتلت
الصين تركستان الشرقية في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1949م بقوت كبيرة من
الفيالق الشيوعية تدعمها الطائرات والدبابات، وبعد معارك ضارية طويلة، ثم
باشرت قورا بتشريد أهلها والقضاء على علمائها ومفكريها لتستأصل جذور
المقاومة فيها، وبادرت إلى تغيير اسم المنطقة وسمتها (سينكيانج) وتعني
باللغة الصينية المقاطعة الجديدة.
وقد سبقها
البلاشفة الروس إلى غزو تركستان الغربية عام 1920م وقد قاومت المنطقة
المعتدين ببسالة فائقة حتى عام 1928م حيث قضى ستالين على دفاع أهلها بأشد
أنواع الإرهاب والبطش.
وإذا كان الحكم
الروسي في تركستان الغربية وهو الأقدم عهدًا، قد انهار في بضعة أشهر -إن لم
نقل في بضعة أسابيع- فالأمل كبير في أن تلاقي السيطرة الصينية على تركستان
الشرقية مصيرًا مماثلًا في مستقبل غير بعيد.
ويعمد
التركستانيون في أواسط أكتوبر من كل عام إلى إحياء ذكرى مأساة استيلاء
الصينيين على بلادهم وسحقهم استقالالها بوحشية، ويقدر عدد التركستانيين،
النازحين واللاجئين في شتى البقاع بحوالي عشرة ملايين نسمة، وهم متفرقون في
تركيا وألمانيا وباكستان والهند والمملكة العربية السعودية ولبنان وبلدان
أخرى.
ولا تذيع حكومة
بكين أحصاء دقيقة عن عدد المسلمين في الصين، ويذكر الإحصاء العام الرسمي
المعلن لعام 1910م، أن عدد المسلمين من مواطني الصين يبلغ ثمانين مليون
نسمة، ونستطيع على هذا الأساس أن نقدر عدد مسلمي الصين حاليا بنحو مائتي
مليون نسمة لا سيما أن نسبة المواليد بينهم مرتفعة ولا تقل عن ثلاثة في
المائة في كل عام.
وتقديرنا يعتبر
أقل تقدير.
وللنازحين من
تركستان الشرقية جمعياتهم التي تستغل المناسبات للاجتماع إلى أعظم عدد ممكن
من التركستانيين لا سيما في مواسم الحج وتزويدهم بالكتب والمنشورات وإبقاء
جذوة المقاومة الوطنية، كما أن الجمعية تمارس نوعا محدودا من النشاط السري
داخل الصين الشيوعية نفسها.
والجدير بالذكر
أن مجموع سكان تركستان الشرقية حين احتلها الصين عام 1949م كان 35 مليون
سمة وكلهم مسلمون، ولكن حكومة الصين الشيوعية أعلنت بعد سبعة عشر عاما أي
في سنة 1966 أن مجموع سكان تركستان لا يزيد على عشرة ملايين.
ودأبت السلطات
الصينية على نقل ملايين من الصينيين إلى تركستان الشرقية، وتوزيع الأراضي
الخصبة بينهم؛ لتطمس بذلك شخصية تركستان، وكذلك أممت الألوف من المصانع
والمعامل والمؤسسات والمدارس الدينية وحولت معظم المساجد إلى متاحف وملاه،
ولكن كل هذه الخطط التعسفية لم تنجح في إخماد روح المقاومة لدى الأهالي
المسلمين، حيث أصروا على تنشئة أولادهم نشأة إسلامية وتعلمهم أصول الدين
الحنيف وأحكامه، ورغم أن الصينيين أخذوا الكثيرين من فلذات أكباد المسلمين
من بنات وأبناء من ذويهم وأرسلوهم إلى أماكن نائية ليتربوا شيوعيين
عقائديين ملتزمين، فإنهم م ينجحوا بتاتا في خططهم الغاشمة وظلت حركة تحرير
تركستان تواصل نشاطها في الداخل سرا وفي الخارج جهرًا.
لم يتقاعس
ممثلوا الشعب التركستاني عن بذلك الجهد المستمر للفت انتباه سائر الشعوب
والأوساط الدولية إلى قضيتهم العادلة، ومما حصل في هذا المضمار أن حضر
الزعيم المجاهد سعيد شامل مؤتمر باندونغ عام 1955 وهو المؤتمر الذي أسس
حركة عدم الانحياز، وحضره كممثل للشعوب الإسلامية الخاضعة لهيمنة الكتلة
الشيوعية، وقدم مذكرة خطية في هذا المضمار لرئاسة المؤتمر، وسعيد شامل هو
نجل أسد داغستان الشيخ شامل الذي حارب الروس ببسالة منقطعة النظير، ثم هاجر
إلى المدينة المنورة ليواصل من هناك حتى اللحظة الأخيرة من حياته كفاحه ضد
الاستعمار الشيوعي، ولكن ظروف الحرب الباردة لم تسمع لتلك الجهود المخلصة
بأن تبلغ الهدف المنشود، أما الآن فإن التطورات العاملية غدت أكثر ملائمة
لنجاح هذا الكفاح، والصحافة الإسلامية في كل مكان قادرة على القيام بدور
رائد في هذا المضمار كما أن المنظمات الإقليمية المحيادة وعلى رأسها منظمة
المؤتمر الإسلامي تستطيع أن تعمل الكثير في هذا السبيل.
جريدة
(الشرق الأوسط)
11 مارس
1992م
8 رمضان
1412هـ
|