|
تركستان
الشرقية:
يقتلعون من
وطنهم بدلا من تلبية مطالبهم المشروعة
بقلم: نضال
الليثى
تعتبر مقاطعة
سنكيانج أو ما يطلق عليها تركستان الشرقية المركز السكاني الرئيسي
للمسلمين. وتقول الحكومة الصينية أن عددهم 25 مليون مسلم، بينما تقدر أوساط
أخرى عددهم بخمسين مليونا ينتمون إلى قوميات عدة هى: القازاق، المنغوليون،
التاجيك، الأوزبك، والأتراك. وتعتبر هذه المقاطعة من أكبر المقاطعات
الصينية .
وتشكل سدس
مساحة الصين، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف مساحة فرنسا، ولها حدود مشتركة مع
أفغانستان وتركمنستان. ويتميز سكانها بتنوع انتمائهم القومي والقبلي الذى
لا نظير له فى مقاطعات الصين الأخرى .
تعمل الحكومة
الصينية على إبعاد الناس عن الإسلام فى تركستان الشرقية من طريق النشاط
الإيديولوجي إذ تعتبر الدين نظرة غير علمية وتؤدى إلى تزييف وعى الناس
ويعكس مصالح طبقية معادية للاشتراكية وأفكار ماوتسى تونغ الذى خص الدين
والمتدنيين بالنقد فى مؤلفاته التى تعتبر مراجع مهمة لحل المعضلات السياسية
والاجتماعية فى الصين .
بلغت شدة القمع
الديني ضد المسلمين فى الصين أكبر مما كان عليه فى بلدان أوروبا الشرقية
قبل سقوط الشيوعية فيها. ويتولى القيام بالمهمة الأيديولوجية بين المسلمين
إضافة إلى المنظمات الحزبية الشيوعية، منظمة حكومية تدار عمليا من قبل
الأجهزة الحكومية، ويقال عنها زورا بأنها تمثل المسلمين، ويخضع أئمة
المساجد إلى دورات أيديولوجية قبل تعينهم فيها. ويعتبرون موظفون يستلمون
رواتبهم من الحكومة. ولا يسمح لغيرهم بإلقاء الخطب فى المساجد أو تأدية
مهمات دينية معينة .
ويعود تاريخ
النصوص القانونية التى تنظم الممارسة الدينية إلى عام 1982 ،وتحديد الوثيقة
رقم 19 الصادرة من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني. وجاء فيها أن
للاتحاد الحقوق نفسها والوظائف الممنوحة لكل دين من دون أن يسمح بممارسه
داخل أماكن العبادة الرسمية. وتمنع التربية الإسلامية للقاصرين الذين هم
دون سن الثامنة عشرة. وتحظر النشاطات الدينية خارج أماكن العبادة. ومنعت
حلقات حفظ القرآن الكريم وتعليم أحكام الدين فى المساجد والمنازل. وأن يتم
ذلك فى المعاهد الرسمية القليلة العدد والعاملة تحت إشراف الحكومة. واقتصر
التعليم الديني على البالغين الذين تجاوزوا سن الثامنة عشرة. وخطر ترميم
المساجد وإصلاحها أو بناء الجديد منها إلا بإذن رسمي. ولا يسمح بتدخل علماء
الدين فى قضايا الأحوال الشخصية مثل عقود الزواج والطلاق والميراث وجمع
الزكاة وصرفها، وحظر اتصال الهيئات الدينية ورجالها بالمؤسسات الإسلامية
خارج الصين وتلقى المساعدات من الخارج من دون تصريح رسمي. ولا يسمح لأي
عالم أو إمام أجنبي من إمامة المسلمين أو الخطابة بهم .
وطبقت الحكومة
الصينية سياسة تطلق عليها سياسة (إعادة التوطين الجديدة) فى إقليم سنكيانج،
هدفها تشجيع الصينيين على الهجرة إلى هذه المقاطعة لزيادة عددهم فيها،
وإجبار السكان الأصليين من المسلمين على هجرها إلى مقاطعات أخرى .
ولا يتولى
المسلمون الوظائف المهمة أو المتعلقة بإدارة شئونهم. وتسند وظائف الإدارة
والأمن إلى الصينيين الذين يصفون بالسكان الأصليين خلافا للحقائق التاريخية
المعروفة. وشهدت المقاطعة ازدهارا اقتصاديا واضحا، وارتفع المستوى المعيشي
فيها خلال العقد الأخير اعتماد سياسة تشجيع الاستثمار الخاص. ولم ينل
المسلمون من ثمار تحسن الوضع الاقتصادي بسبب سياسة التميز ضدهم، وسيطرة
الأهالي من الصينيين على مجال الأعمال التجارية والصناعية بدعم من الحكومة
لتعزيز مواقعهم .
تمتعت هذه
المقاطعة باستقلال ذاتي فى أثناء الحكم الوطني وشكل المسلمون الغالبية فى
حكومتها التى كانت موضع ثقة الناس واحترامهم. وتمكن الشيوعيون من السيطرة
على الحكم فى تركستان الشرقية بعد قيامهم بانقلاب عسكري .
وقام عثمان خان
حاكم المقاطعة بقيادة الحكومة الانقلابية الجديدة وطالب بالاستقلال، إلا أن
الحكومة تمكنت من القضاء على مقاومته سريعا، خوفا من امتدادها وتوسعها بعد
أن أيدها سكان غرب المقاطعة. ولا يعرف الكثير عن تفاصيل مقاطعة المسلمين،
نظرا للتعتيم عليها من الحكومة الصينية. وتعتبر (منظمة تحرير تركستان) أبرز
المنظمات المعروفة قى الوقت الحاضر ولها نشاط وتأثير ملموسان. كما لا يعرف
الكثير عن برنامجها وأهدافها بسبب طابعها السري والقمع الذى يجابه به نشاط
المنظمة .
وتشير الدلائل
إلى مساهمة عدد كبير من المسلمين الصينيين فى انتفاضات جمهوريات آسيا
الوسطى على الحكم الشيوعي السابق للحصول على الاستقلال. ويتلقون فى الوقت
الحاضر الدعم من مسلميها. وتقول الحكومة الصينية إن بعض المنظمات الصينية
تقيم صلات بالمجاهدين الأفغان الذين يشجعونها على المطالبة بالاستقلال
وتشكيل حكومة إسلامية. ولا توجد مصادر مستقلة تؤكد مدى نفوذ هذه المنظمات
فى أوساط المسلمين الصينيين، وفيما إذا كان المسلمون يرغبون بالاستقلال أو
يفضلون الحكم الفيدرالي الحقيقي القادر على تمثيلهم وضمان حرياتهم السياسية
والدينية ويوقف القمع ضدهم .
أدت السياسات
الحكومية إلى تزايد السخط فى أوساط المسلمين ومقاومتهم لها، حين قاموا
بانتفاضة واسعة فى آذار (مارس) 1990 فى مدينة بارن. ويعود السبب المباشر
لقيام الانتفاضة إلى إغلاق الحكومة أحد المساجد. مما أدى إلى استثارة
المشاعر الدينية لدى المسلمين. وأدى قمع الانتفاضة إلى زيادة القمع
والاضطهاد الديني وإغلاق عدد كبير من المساجد، ووجهت تهم سياسية إلى قادة
الانتفاضة، إذ اعتبروا انفصاليين يهددون وحدة البلاد .
وتشير منظمة
العفو الدولية فى تقاريرها عن الصين إلى أن الحكومة فى سنكيانج تسجن وتحتجز
من تعتبرهم من المنشقين الذين يمثلون المستقلين سياسيا والساخطين ضد الكبح
على النشاطات الدينية. كما تشير تقارير المنظمة المذكور إلى احتجاز السلطات
لسجناء سياسيين وسجناء مديري مدارس وكتاب. ويوجد سجناء أدينوا بسبب العنف
الذى استخدموه ضد الإدارات .
ولم يستطع
المسلمون فى الصين جذب انتباه الغرب لقضيتهم إلا جزئيا. وربما يعود ذلك إلى
اهتمام الغرب بقضية التبت ومطالبه الاستقلالية ووجود دالاي لاما القائد
الروحي لسكان التبت فى خارج الصين بسبب نفيه منها، إذ تتركز عليه الأنظار
الأمر الذى يمكنه من إبراز قضية شعبه. وساعد على هذا الوضع عدم معرفة
الكثيرين بحجم القمع المسلط على المسلمين، أو حتى عدم معرفة وجود 50 مليون
مسلم فى المقاطعة المذكورة وحدها .
وأدى عدم تسرب
أخبار المقاومة والانتفاضة والتعتيم عليها من الحكومة إلى غياب التضامن
معهم واعتبار قضيتهم منسية ومن القضايا غير العادلة ولا تستحق الدعم
والتشجيع .
تتميز مقاومة
المسلمين فى الوقت الحاضر بسعتها وتأثيرها، وتدل على ما تنشره وسائل
الإعلام الصينية المركزية وما تنقله وكالات الأنباء على ذلك . ففى تقرير
لوكالة رويتر قالت فيه: إن السلطات الصينية قامت بتوزيع نطاق حملتها على من
أسمتهم بـ "الانفصاليين" كذلك على ما تدعوه بـ "النشاطات الدينية الغير
مشروعة فى المدارس والجامعات" . ويبلغ عدد الأشخاص الذين تم إعدامهم منذ
شهر نيسان (إبريل) الماضي حتى بداية الشهر الحالي 2773 شخصا .
وصرح بعض
المسئولين المحليين لتليفزيون سنكيانج بأن الحملة الحالية تستهدف "تطهير"
الجامعات والمدارس من "الانفصاليين" ومنع تسرب المبادئ الدينية وتأثيرها
على الطلاب. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن صحيفة ديلى سنكيانج المحلية
أحاديث لمسئولين، بوجوب عدم السماح للكوادر والأعضاء فى الحزب الشيوعي
المشاركة فى النشاطات الدينية وممارسة الشعائر، مما يدل على اشتراك قسم من
"الشيوعيين" المسلمين فى أعمال المقاومة وتقديم الدعم لها .
ونقلا عن وكالة
رويتر، طالبت كبرى الصحف الرسمية فى الإقليم بوجوب "التحقيق فورا مع أعضاء
الحزب والمسئولين المتورطين فى النشاطات الإرهابية ومعاقبتهم". وطالبت
الصحيفة بمعاقبة أعضاء الحزب ومسئولي الحكومة الذين يظهرون تدينهم أو ممن
شاركوا فى إصدار كتب دينية أو منتجات سمعية وبصرية غير مشروعة عززت
المطالبة بالاستقلال .
ترجم القرآن
الكريم إلى اللغة الصينية عام 1927 من مترجم ياباني غير مسلم، مما سهل طبعه
فى الصين. إضافة إلى ذلك يوجد نظام للتعليم الديني. وتعتبر مناطق يانهان
وكانسو مراكز دراسة الدين الإسلامي فى الصين، ويتوجه إليها طلاب العلم
للدراسة فيها. وتتركز اهتمامات السكان على دراسة اللغة العربية، وقراءة
القرآن وتزايد عدد المصلين فى المساجد يوم الجمعة .
وتركز الجماعات
الإسلامية على المطالبة بتعليم الدين للأطفال، وحتى يتم ذلك فى شكل صحيح
لابد من معرفة اللغة العربية والاهتمام بتدريسها. ولا يريدون من الحكومة
التدخل فى شؤونهم الدينية، وتحدد لهم المسموح وغير المسموح فى دينهم. ولا
يتم إجبارهم على اتباع مراسيم تختلف عن مراسيم الإسلام فى الزواج والدفن
والزكاة والثقافة الإسلامية العامة وغيرها من القضايا. كما تركز هذه
الجماعات على المطالبة بالحرية السياسية والاعتراف بحقوقهم بعد إقامة
استمرت فى هذا البلد 1400 سنة، وتوجد ظروف خصبة لانتشار الإرهاب والتطرف
بسبب السياسات الحكومية القائمة على القمع والتميز ضد المسلمين، إضافة إلى
التأثيرات الآتية من أفغانستان. وبدلا من قيام السلطة بتقدم الحلول
السياسية وتخفيف التوتر وتلبية مطالب المسلمين، يتم اللجوء إلى تصعيد عنف
مضاد، يستغل لتوجيه الاتهامات للمسلمين وتبرير القمع ضدهم وطردهم من بلادهم
.
جريدة
"الحياة" .
17 فبراير
1997م .
10 شوال
1417هـ . |