|
مأساة مسلمي
تركستان الشرقية
بقلم: فهمي
هويدي
آخر ما كان
يخطر على بال واحد مثلي أن تظهر «الأصولية» بين مسلمين الصين في (سنكيانج)
لسبب بسيط هو أن أتيح لي أن أزور هذه المنطقة في بداية الثمانينات موفدا من
مجلة (العربي) الكويتية التي عملت بها آنذاك، وقد ظهرت حصيلة تلك الرحلة
لاحقا في كتاب بعنوان «الإسلام في الصين» صدر ضمن سلسلة عالم المعرفة) في
شهر يوليو (تموز) 1981م.
كنت أول صحافي
عربي زار المنطقة منذ استيلاء الشيوعيين الصينيين عليها في عام 1949 أو
هكذا أخبروني هناك على الأقل، إذ ظلت مقاطعة (سنكيانج) معقل مسلمي تركستان
الشرقية مغلقة في وجوه الأجانب طوال الوقت، وإذ تمت زيارتي بعد القضاء على
ما سمي آنذاك بـ «عصابة الأربعة» بكارثة الثورة الثقافية التي ضربت البلاد
وأرعبت العباد، وكان المسلمون في مقدمة ضحاياها، لذلك فإنهم استجابوا لطلبي
زيارة مقاطعة (سنكيانج)، وأتاحوا لي قدرا طيبا من إمكانية الحركة والاتصال
مع تجمعات المسلمين هناك، وإن ظلت حائلا اضطرني دائما للاستعانة بمترجم،
كان في أغلب الأحوال إن لم يكن كلها عينا للأجهزة الأمنية.
هوية أكثر
منه دينا
من بين أهم
الملاحظات التي خرجت بها أن الإسلام في تلك المناطق هوية أكثر منه دينا،
حيث لا تعرف الأغلبية الساحقة شيئا عن الدين الإسلامي، بعضهم لا يعرف سوى
عبارة لا إله إلا الله محمد رسول الله، والبعض الآخر يحفظ فاتحة الكتاب
بالكاد، و«علماؤهم» في الوصف مبالغة كبيرة- يحفظون بعضا من قصار السور في
جزء «عم».
أديت صلاة
الجمعة في مسجد مدينة «شيآن» إحدى أهم المدن في سنكيانج، كان المسجد باسم
(تشينغ تشن داشي، جان داسي) ومعناها (بيت الله العظيم)، ووجدت أن ثمة
حماما محلقا بالمسجد، يقصده من يشاء من المسلمين كل يوم جمعة، وحيث يغتسلون
بالماء الساخن ويتعطرون قبل أن يتوجهوا إلى الصلاة، ولفت نظري أن المسجد
مكتظ بالمصلين الذين تجاوز عددهم 1500 شخص، وقد اعتبرت ذلك أمرا مثيرا لأن
المساجد التي رأيتها في مجتمعات المسلمين الأخرى كانت تضم أعدادا بسيطة
نسبية يوم الجمعة (كان متوسط عددهم في مدينة كانتون الجنوبية في حدود مائة
شخص فقط).
المساجد الأخرى
التي مررت بها، ولم يكن هناك من تفسير لتلك الظاهرة سوى أن منطقة سنكيانج
يتجسد فيه تحدي المسلمين ليس فقط للشيوعية، ولكن للهيمنة الصينية.
فسكان هذه
المقاطعة الذين تقدرهم السلطان بـ 16 مليونا ويقول ممثلو تركستان الشرقية
في الخارج أنهم 26 مليونا، بخلاف مسلمين الصين، يعتبرون أنفسهم جنسا مختلفا
(أصولهم تركية)، كما يعتبرون بلادهم (تركستان الشرقية) أرضا محتلة، لذلك
فإنهم ما برحوا يعتبرون عن تحديهم واحتجاجهم على ممارسات السلطات الصينية،
وهذا الإقبال على المساجد إحدى صور التحدي السلمي الذي يعبرون به عن تمسكهم
بالهوية الإسلامية، ورفضهم الذوبان في البوتقة الصينية.
كانت أغلبية
المصلين الذين يتوافدون على المسجد للاغتسال من الصباح الجمعة الباكر،
يقفون صامتين تجاه القبلة، لأنهم لا يحفظون شيئا ولا يعرفون ما الذي ينبغي
عليهم أن يقولوه حتى في الركوع والسجود.
خطبة الجمعة
بدت عرضا صاخبا ومثيرا فحين صعد الخطيب، كان اسمه الشيخ محمد يونس- إلى
المنبر، ظل يتلو مجموعة من الأناشيد والأدعية، والآيات القرآنية، بعض كلامه
كان بالعربية والبعض الآخر بالفارسية، وفي حين ثالثة كان يتكلم بالصينية،
ومرة يلحن كما لو كان يقدم مقطوعة غنائية، ومرة يتكلم بوقار وجدية، وأحيانا
يرفع صوته مجلجلا ومدويا، ثم ينتقل إلى حالة أخرى فيتكلم بصوت هامس وخفيض،
كأنه مجموعة من المنشدين يقدمون فقرات مختلفة، كل واحد بأداء مختلف ولحن
مميز.. وفى جميع حالاته فإن وجهه ظل ثابتا كالصخر، لا تتحرك فيه عضلة، ولا
يهتز له جفن.
لم أفهم إلا
القليل مما قاله بالعربية، ولكي التقطت كلمات مبعثرة أتاحت لي لفقط أن أميز
بين المدائح النبوية والقرآن الكريم، ورغم ثقتي في أغلب الجالسين لم
يفهموا بدورهم شيئا يذكر من الخطبة، باستثناء ما ألقي منها بالصينية- إلا
أنني استغربت كونهم بدوا متجاوبين معه إلى أبعد الحدود، غير أن أكثر ما شد
انتباهي في الخطبة أن الشيخ محمد يونس وهو يردد الأدعية في نهايتها قال:
اللهم أمن دولة السلطان المعظم!.
وجدتهم يصلون
12 ركعة منذ دخولهم المسجد لصلاة الجمعة حتى لحظة خروجهم، أربع ركعات سنة
عند الدخول، ثم ركعتان للجمعة، وبعد الجمعة يصلون أربع ركعات أخرى تعقبها
ركعتان، وفهمت من الإمام الشيخ محمد يونس أن الركعات الأربع هي لصلات
الظهر وأن الركعتين هما سنة الظهر، وحين سألته عن السبب في ذلك قال إنهم
يصلون الظهر بعد الجمعة لأن هناك شكا في صحة صلاة الجمعة – لماذا؟- سألته
فقال: لأننا لسنا في دار الإسلام وليس هناك إمام للمسلمين، لذلك فإن
فقهاءنا القدامى لم يطمئنوا إلى سلامة صلاة الجمعة، وجاء اجتهادهم لحل
الإشكال على ذلك النحو، فإذا كانت صلاة الجمعة صالحة فقد كسبنا ثواب الجمعة
والظهر، وإذا كانت باطلة فقد نجونا من إثم ضياع الفرض!.
سجل حافل
بالتمرد: لماذا؟
لقد أبرزت أكثر
الصحف العربية الخبر، خصوصا الصحف وثيقة الصلة بالأنظمة المشتبكة مع بعض
الجماعات الإسلامية التي يطلق عليها وصف «الأصولية» لكن أحدا لم يسأل: أية
أصولية هذه التي ظهرت في سنكيانج؟ بل أية أصولية تلك التي تجلت في آسيا
الوسطى، التي ظلت تحت الشيوعية الاتحاد السوفيتي طيلة أربعين عاما، وانحسر
فيها الإسلام حتى لم يبق منه سوى بعض الآثار الباهتة والقشور البسيطة
والمباني التاريخية؟.
سنبقي في حدود
سنكيانج لظني أن المأساة فيها أكبر، وربما أتيح لنا أن نعود إلى حديث
«أصولية» آسيا الوسطى في وقت لاحق.
في الثاني
والعشرين من شهر مايو (أيار) الماضي بثت وكالة رويتر من بكين تقريرا قالت
فيه إن المسئولين الصينيين صرحوا بأن «عصابة» من تسعة انفصاليين يحملون
متفجرات بدائية الصنع وأسلحة نارية قتلوا هذا الشهر (مايو) في معركة دامية
بالرصاص مع الشرطة في منطقة سنكيانج شمال غربي البلاد، وقال ضابط شرطة في
بلدة (كوكا) على طريق الحرير أن هؤلاء الرجال التسعة كانوا جميعا مسلمين
يدعون إلى الانفصال وأن التحقيقات مال زالت جارية لمعرفة خلفيات الحادث،
وأضاف أن لا يمكنه التعقيب وأكثر من ذلك على الطبيعة السياسية للحادث، في
المنطقة التي تتاخم الدول الإسلامية في آسيا الوسطى وأفغانستان وباكستان.
وجاء الحادث في
أعقاب إصدار السلطات في سنكيانج أمرا بشن حملة على الانفصاليين الذي تهدف
أنشطتهم «الإرهابية» العنيفة إلى إثارة اضطرابات أدت إلى مقتل عدد من
المدنيين الأبرياء في المقاطعة ذات الأغلبية المسلمة.
ونشرت صحيفة
(سنكيانج دايلي) في 16 (أيار) أن شرطة الإقليم قضت في الثاني من الشهر نفسه
على مجموعة من المحترفين نفذوا تفجيرات قنابل واغتيالات ونشاطات إرهابية
أخرى، وقالت الصحيفة أن الحادث بدأ في 166 من إبريل (نيسان) عندما دخلت
العصابة قريبة في مقاطعة (كوكا) ونفذت تفجيرات عدة.
روت الصحيفة
تفصيلات مقتل التسعة الذين هربوا وشكلوا مجموعة انتحارية، اشتبك بعض
عناصرها مع الشرطة، وعثر مع القتلى على بنادق وطلقات ورصاص وقنابل لم
تنفجر، ثم ختمت قائلة أن حكومة الصين لم تتردد في القضاء على الاتجاهات
الانفصالية الدينية والانفصالية في سنكيانج، وأنها عملت بجد على سحق
«الانتفاضة»، والضغط على الجمهوريات المحيطة في آسيا الوسطى للتضييق على
انفصالي سنكيانج الذين يعملون انطلاقا من أراضي تلك الدول.
في اليوم
التالي مباشرة بثت وكالة الأنباء الفرنسية تقريرا آخر من العاصمة الصينية
قالت فيه إن السلطات الصينية أدانت بشدة استغلال الدين لأغراض سياسية في
منطقة سنكيانج المسلمة.
وذكرت أن
صحيفة (سنكيانج دايلي) نشرت على صفحتها الأولى أن نفوذ الحركات المناهضة
للصين بدأ يتسع بين صفوف المسئولين الدينيين والسياسيين في سنكيانج، وقالت
تعليقا على ذلك أن «حرية المعتقد لا تعني أن الدين حرية مطلقة للقيام بكل
ما يحلو له».
أضافت الصحيفة
أنه: يجب محاربة «الذين لا يحترمون غير المؤمنين ويجبرون الأشخاص على
الإيمان» في إشارة إلى المجموعات المسلمة الناشطة في مجتمعات المسلمين
هناك. قالت أيضا إنه: يجب التمييز بين النشاطات الدينية المشروعة وغير
المشروعة، والتمييز بين المؤمنين الحقيقيين، والذين يتآمرون للانفصال.
ذكرت الصحيفة
أن الماركسية تعتبر الدين «أفيون الشعوب» وبالتالي يجب ألا يسمح للكوادر
والأعضاء في الحزب الشيوعي الماركسيين الملحدين، بالاشتراك في النشاطات
الدينية وختمت قائلة أن تدخلات الدين في الشؤون الاجتماعية والسياسية يجب
أن تتوقف.
وهي تعقب على
التقرير قالت الوكالة الفرنسية إن مثل هذه البيانات بدأت تنشر في الصين في
أعقال اعتقال 1700 «مجرم انفصالي» في سنكيانج!.
تكشف هذه
البيانات عن طبيعة الأجواء المخيمة على سنكيانج، حيث تلقي بعض الأضواء التي
لا تدع مجالا للشك في أن المقاطعة تعيش حالة من التوتر والاضطرابات حيث
شهدت عمليات عنف متعددة، قابلتها السلطات الصينية المحلية بكل قسوة.
وطبقا
للمعلومات الصحافية فإن المقاطعة شهدت في عام 1995 المنصرم 27 اشتباكا مع
العناصر الإسلامية، أدت إلى سقوط قتلى وجرحى لم يعرف عددهم.
وهي اشتباكات
ما زالت مستمرة، غير أن السلطات الصينية تفرض تعتيما عليها ولا يتسمح للصحف
المحلية بالإشارة إليها، إلا فيما ندر.
37 تجربة
نووية في بلادهم
في ملف الصين
الذي احتفظ به وجدت قصاصة تضمنت تقريرا بثته الوكالة الفرنسية في 7/10/1995
قالت فيه أن الحكومة الصينية أعربت عن قلقها من تنامي التطرف الإسلامي في
مقاطعة سنكيانج، ولذلك قررت التحقيق في وضع المساجد ورجال الدين المسلمين
للقضاء على النشاطات التي وصفتها بأنها «غير مشروعة ورجعية» في المنطقة،
وقد حذر إبراهيم رضا مدير مكتب الشؤون الدينية (!؟) في مقال نشرته صحيفة
محلية من ارتفاع عدد المساجد والمدارس الدينية التي تفتح أبوابها دون إذن،
وبأموال من الخارج في غالب الأحيان، وأضاف مسئول الشئون الدينية قائلا:
«علينا أن نقف بحزم في وجه النشاطات الدينية غير المشروعة التي تعارض
النظام الاشتراكي، وتقسم الوطن وتحرض على التطرف عبر بث الدعوة إلى الجهاد
في المساجد، وطالب «الأخ» بإخضاع» رجال الدين «لامتحان»، وتوزيع شهادات على
الذين ينجحون فيه، ودعا إلى وضع لائحة بأماكن العبادة التي يسمح بوجودها
القانوني، وبرجال الدين المسجلين رسميا «لتسهيل مراقبة المساجد».
أشار التقرير
إلى أن الانفصاليين شكلوا في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1990 منظمة معادية
للثورة تحت اسم (حزب الإصلاحيين الإسلاميين)، وأنه تم إعدام خمسة من عناصر
ذلك الحزب في يونيو (حزيران ) 1992م، وأن المنطقة شهدت اضطرابات في وقت
لاحق أوقعت رسميا 23 قتيلا، بينما أشارت مصادر رسمية إلى ثلاثة أضعاف ذلك
العدد.
استوقفني في
الملف أيضا خبر مثير يقول: في الخامس من أكتوبر (تشرين عام 11993م، تجاهلت
الصين احتجاجات الولايات المتحدة، وبريطانيا وروسيا وعدد كبير من الدول
الآسيوية، وأجرت تجربة نووية تحت الأرض، وسجل الانفجار خمس نقاط وثمانية
أعشار النقطة على مقياس ريختر للزلزال –أقصاه 7نقاط- وكشفته مراكز المراقبة
الدولية في أنحاء العالم، أفادت الأنباء أن التجربة الذرية حدثت في صحراء
(لوي نون)، حيث (موقع التجارب) في إقليم سنكيانج، وكانت الصين قد بدأ
تجاربها في ذلك الموقع في عام 1964م، الأمر الذي أدى على إصابة مليوني شخص
من الذين يعيشون في المنطقة بأمراض غريبة، شاعت بين الأطفال خاصة وأدت إلى
وفاة نسبة كبيرة منهم.
تساعدنا تلك
التقارير والأخبار على فهم طبيعة النشاط «الأصولي» الذي برز في سنكيانج
خلال السنوات الأخيرة،ـ فملايين المسلمين الذين يسكنون المنطقة التي تعد من
أغنى أقاليم الصين (مواردها الطبيعية كثيرة في مقدمتها النفط والذهب
والبلاتين والنحاس)، ما كانا يوما راضين بهيمنة الصين على بلادهم تركستان
الشرقية، لذلك فإن تاريخهم مع حكومة بكين حافل بصور التمرد والانتفاض،
وبعدما تم استقلال جمهوريات آسيا الوسطى المحيطة بهم في مستهل التسعينيات،
كان من الطبيعي أن يحيي ذلك آمال المسلمين في أن تتاح لهم فرصة مماثلة
للاستقلال،وإذ يبدو الحلم بعيدا بحجم الاختلاف بين الذي جرى للاتحاد
السوفيتي وبين الحاصل في الصين، فإن السلطات الصينية لم تقابل تطلعاتهم
بمحاولة لتحسين أوضاعهم، خصوصا أن المنطقة يفترض أنها تتمتع بالحكم الذاتي،
وإنما عملت على قمعهم وإجهاض أحلامهم أولا بأول، ليس ذلك فحسب، وإنما عمدت
إلى العبث بالتركيبة السكانية للإقليم، وقامت بتهجير حوالي عشر عشرة
ملايين صيني إلى سنكيانج، والأدهى والأمر أنها استخدمت بلادهم الشاسعة
التي تعادل ثلاثة أضعاف فرنسا و 17 ضعفا بالمقارنة بهنغاريا حقلا لتجاربها
النووية، التي تم رصد 37 تجربة منها، خلال الثلاثين عاما الماضية.
ولأنهم
مسلمون، بصرف النظر عن مدى معرفتهم بالإسلام، فكان لابد أن يوصموا بمختلف
مفردات القاموس المتداول هذا الزمان،: متطرفون –إرهابيون- أصوليون،، وهي
مفردات أصبحت محملة بمعاني الاتهام والإدانة، التي تصادر حق «المهتم» في
شرح موقفة أو تبرئة نفسه.
إن العالم
الغربي يتحدث كثيرا عن انتهاكات حقوق الإنسان في الصين، ويحتفي بزعيم التبت
ويدافع عن حق شعبه في الحياة المستقلة والكريمة، ولكننا لم نسمع أحدا يتحدث
عن مأساة مسلمي تركستان الشرقية، الذي يعيشون في ظل ظروف شديدة البؤس
والتعاسة، تفوق كثير ما يتعرض له شعب التبت على سبيل المثال.
إن المسلمين لا
بواكي لهم.
حسبنا الله
ونعم الوكيل!
مجلة
«المجلة»
11 يونيو
1996م |